أنك رأيت رأيًا رسخ في قلبك، وغلبك رأيك فلم تستطع له دفعًا، فجرى به قلمك حين رأيت القول بأن"من الناس ... ومن الناس ..."، فكتبت تعليقك عنده، قبل أن تقرأ ما جاء بعده، من أن شيخ الإسلام يثبت شيئًا كثيرًا من ذلك جرى له ولأصحابه مع الجن. بل لعلك حين هدأت نفسك، واستراح قلبك بما خرج منه - لم تقرأ آخر الكلام، أو قرأته غير عابئ به، ولا ملق له بالًا، ولا متعمق فيما وراءه من معنى!
ولست أدري أيقوم هذا الاعتذار أم ينهار؟ إنما هذا هو الذي صنعت يدُك.
ثم أكثر من هذا وأشد خطرًا: أن إنكارك ما أنكرت، فيه إنكار لكثير مما ثبت بالسنة الصحيحة، التي عشنا عمرنا ندفع عنها، ونرد على منكريها، ونعيب متأوليها بما يخرج الكلام عن معناه الصحيح. ولعلك تذكر من هذا الشيء الكثير.
ولست الآن بصدد تحقيق الأحاديث الثابتة، في رؤية بعض الصحابة رضوان الله عليهم - للجن، وتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما قرأتُ أو أكثر منه، وأنك عرفته حق المعرفة.
وإنما يكفي من ذلك الإشارة:
فحديث أبي هريرة في صحيح البخاري (4: 396 - 398 من فتح الباري) - فيه قصته مع الجنيّ الذي كان يأخذ مما كُلِّف أبو هريرة بحفظه من زكاة رمضان، وأخذه إياه. ثم إنه خلى عنه حين أبدى له حاجته وحاجة عياله. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة:"أما إنه قد كذبك، وسيعود"... فعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال له الجني:"دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها"، ثم علمه أن يقرأ آية الكرسي، وأنه لن يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان، حتى يصبح. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة:"أما إنه قد صدقك، وهو كذوب. تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال: ذاك شيطان". وهذا حديث صحيح صريح، لا يحتمل تأويلًا، إلا تأويل أهل الأهواء، ممن لا يأخذون بالسنة الصحيحة، أو بعبارة صريحة مطابقة لحالهم:"من الذين لا يؤمنون بالغيب". وأعيذك بالله أن تميل إليهم، أو تأخذ مأخذهم.
وقد أثبت الحافظ في ذلك الموضع كثيرًا من الأحاديث في هذا المعنى. ثم عرض للاحتجاج بالآية