الصفحة 30 من 98

والسنة، أو دليل مستنبط منهما. ولكن شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن هذا ليس موضع الرد على المردود عليه.

فإنه يقول بالحرف الواحد:"وأما كونه لم يتبين له كيفية الجن ومقاماتهم، فهذا ليس فيه إلا إخباره بعدم علمه، لم ينكر وجودهم". فهذا هو الحكم بوجود الجن: لم ينسب شيخ الإسلام للرجل المردود عليه أنه ينكر وجودهم، حتى يقيم عليه الدلائل من الكتاب والسنة. بل أثبت لخصمه أنه"لم ينكر وجودهم"، ولذلك لم يكتب له في هذا الموضع الدلائل من الكتاب والسنة، لأن وجودهم - عن هذه الدلائل - ليس موضع الخلاف والرد على ذاك الرجل.

وقد فهم شيخ الإسلام من كلام الرجل المردود عليه، أنه ليس فيه إلا إخباره بعدم علمه بكيفية الجن ومقاماتهم. فأراد أن يحجّه بالحال المشاهدة عند بعض الناس، ومنهم شيخ الإسلام نفسه. فقال:"إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة، غير دلالة الكتاب والسنة. فإن من الناس من رآهم ... ومن الناس من كلمهم وكلموه ... ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب".

وهذا كلام الرجل العالم الفاقِه لما يقول، الواثق من نفسه ومن صدقه، ومن تصديق خصمه له إذا حكى ما رأى بعينه وسمع بأُذنه. إذ هو يعلم أنه لا يُدفع عن الصدق فيما يقول عما شهده. ولا عن الصدق فيما يَنْقل من العلم. ويعلم أن أحدًا من خصمه لم ينبِِْزْه بالكذب قط.

فهذه واقعة - في رؤية شيخ الإسلام للجن وكلامه معهم - وقعت بعد انقطاع الوحي بأكثر من سبعمائة سنة. فليس لسامعها إلا إحدى اثنتين: أن يصدق راويها الذي يدَّعي أنها وقعت له، بما يعرفه من صدق لهجته، ومن عدالته وأمانته، ومن أنه أهل للشهادة تُقبل شهادته. ولا يستطيع أن يطلب منه دليلًا على صدقه من الكتاب والسنة. فما يُعقل قط أن يطلب منه نصًا من الوحي على أنه صادق في هذه الواقعة أو الوقائع بعينها!! أو يكذِّب هذا الراوي فيما روى أنه وقع له.

وهذا التكذيب قد يكون للراوي نفسه، بدفعه عن الصدق، بما يعلم الدافع من حال الراوي وعدم عدالته. فيكون نفيًا خاصًا قاصرًا على الواقعة أو الوقائع التي يحكيها هذا الراوي.

وقد يكون التكذيب عامًا، غير قاصر على موضع الراوية، بل نفي لأصل المسألة فكأنه يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت