هذا يتبين أن رواية إبراهيم التيمي عن عائشة هنا لها أصل، وليست من الضعيف الذي يًعرض عنه.
قال الترمذي: وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء.
قال الأستاذ: أما هذا الباب (باب ترك الوضوء من القبلة) فقد صح فيه شيء، وهو حديث عائشة من الطريق التي وضحناها وصححناها، ومن طرق أخرى أشرنا إليها.
وأما أصل الباب ومرجع الخلاف فهو، هل يجب الوضوء من مس المرأة؟ ذهب بعض الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الفقهاء والمحدثين إلى الوجوب، وذهب بعض الصحابة ومن بعدهم إلى عدم الوجوب، وهو الصحيح الراجح.
وأصل الخلاف فيه تفسير اللمس من قوله تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه} [المائدة: 6] ، وكذلك في قوله تعالى في سورة النساء: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء} [النساء: 43] ، على القراءتين في الآيتين، فقد قرأهما حمزة والكسائي وخلف (لمستم) بغير ألف، وقرأهما باقي القراء العشرة (لامستم) بالألف.
قال ابن رشد في بداية المجتهد (1/ 29) : وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب، فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو باليد، ومرة تكني به عن الجماع، فذهب قوم على أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو الجماع في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} ، وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد.
ثم قال"وقد احتج من أوجب الوضوء من اللمس باليد بأن اللمس يُطلق حقيقة على اللمس باليد، ويطلق مجازًا على الجماع؛ وأنه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز فالأولى أن يُحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز، ولأولئك أن يقولوا إن المجاز إذا كثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم الغائط الذي هو أدل على الحدث - الذي هو فيه مجاز - منه على المطمئن من الأرض، الذي هو فيه حقيقة. والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على"