الصفحة 55 من 98

من كتاب الله في المصاحف، حرصا منهم على حفظ كتاب الله؛ وخشية أن يشتبه على أحد ممن بعدهم فيظن غير القرآن قرآنًا، فهل يعقل مع هذا كله أن يكتبوا مائة وثلاث عشرة بسملة زيادة على ما أنزل على رسول الله؟ ألا يدل هذا دلالة قاطعة منقولة بالتواتر العملي المؤيد بالكتابة المتواترة على أنها آية من القرآن في كل موضع كتبت فيه؟؟!

والقاعدة الصحيحة عند أئمة القراء أن القراءة الصحيحة المقبولة هي: ما صح سنده ووافق رسم المصحف ولو احتمالًا وكان له وجه من العربية، وأنه إذا فقد شرط من هذه الشروط في رواية: كانت قراءة شاذة أو ضعيفة أو مردودة. وقد ذهب بعض القراء إلى أن التواتر شرط لصحة القراءة. والحق أنه شرط في إثبات القرآن. وأما القراءة فيكفي فيها صحة السند مع ما سبق، وهذا الذي اعتمده إمام القراء ابن الجزري وغيره.

ولكن لم يخالف واحد منهم في اشتراط موافقة رسم المصحف، وفي أن القراءة التي تخالفه قراءة غير صحيحة ولو صح سندها.

فإذا سلكنا جادة الإنصاف في تطبيق القواعد الصحيحة على الأقوال والقراءات السابقة، وتنكبنا طريق الهوى والعصبية، علمنا علمًا يقينيًّا ليس بالظن أن القول الذي زعموا نسبته إلى مالك ومن معه - في أنها ليست آية أصلا - قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة. وأن قراءة من قرأ بإسقاطها في الوصل بين السور قراءة غير صحيحة أيضًا، لأنها فقدت أهم شرط من شروط صحة القراءة، أو هو الشرط الأساسي في صحتها، وهو موافقة رسم المصحف، وظهر أن الحق الذي لا يتطرق إليه الشك ولا يستطيع مجادل أن ينازع فيه: أنها آية في كل موضع كتبت فيه في المصحف.

وأما أنها آية من السور المكتوبة في أولها أو آية مستقلة، فإنه محل نظر وبحث. والذي يظهر لي: ترجيح أنها آية من كل سورة كتبت في أولها، أي من جميع سور القرآن سوى براءة، وأنه لا يجوز لقارئ أن يقرأ أيّة سورة من القرآن - سوى براءة - من غير أن يبدأها بالتسمية التي هي آية منها في أولها؛ سواء أقرأها ابتداء أم وصلها بما قبلها. وهذا الذي اختاره الشافعي رضي الله عنه فيما نقله عن العلماء، وهو الذي يفهم من كلامه الذي نقلناه آنفا عن كتابه"الأم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت