ولكني أردت أن أكشف عن مقصده الحقيقي باقتراحه، من كلامه وألفاظه؛ وأن أنقد بعض ما عرض له من مسائل في العلم، ظهر أنه لا يعرف فيها شيئًا، عرض لها عرضًا عجيبًا، لو تركه ستر نفسه.
أما اقتراحه الميت السخيف [1] فما أبالي أن لا أرد عليه، اكتفاءً بما قيل من قبل، وثقة مني أن لا تقوم له قائمة من بعد. وأنا أعلم أن معاليه سينطلق في أثري كما انطلق في أثر الذين من قبلي، ثائرًا عنيفًا مستعليًا مستكبرًا، كأن لم يسمع كلمة الحق، وأنه سيرميني كما رمى أخي"السيد محمود محمد شاكر"بأنه"يشتهي تجريح من هو أكبر منه سنًا، حاسبًا أن ذاتيته تعلو بهذا التجريح"ولكنني لا أبالي.
يعلن صاحب المعالي في كتابه (ص 78) أنه"يريد المحافظة على العربية الفصحى"ولكن سائر أقواله إنما تصدر من عقيدة بفساد هذه اللغة وأنها لا تصلح للحياة، لثباتها على وتيرة واحدة إلا أن تتغير وتدور مع اللهجات فتنقسم إلى لغات. فهو يضع اللغم الأول في هذا الصرح الشامخ، حتى إذا ما اهتز الصرح وفقد تماسكه، استطاع من بعده من أنصاره، ومن أعداء العربية ومن أعداء الإسلام، ومن أعداء القرآن، أن يدمروه تدميرًا.
انظروا إلى قوله الذي افتتح به اقتراحه المقدم للمجمع:"لا شك عندي أن حضرات المستشرقين - آه من عبادة المستشرقين ومن عبادة الإفرنج - من بريطانيين وفرنسيين وإيطاليين وألمان وأمريكيين، يعجبون منا نحن الضعاف الذين يطأطئون كواهلهم أمام تمثال اللغة، لحمل أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت"ثم يقول عن بحث المستشرقين عن الآثار:"لكن عملهم هذا شيء وإمساك أية لغة بخناق أهلها دهرًا طويلًا شيء آخر".
وانظروا إلى قوله في الفقرتين 4، 5:"لكن حال اللغة العربية حال غريبة، بل أغرب من الغريبة، لأنها مع سريان التطور في مفاصلها وتحتيتها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إلا الله، لم يدر بخلد أية سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسيًا أن يجعل من لهجة"
(1) يعذرني صاحب المعالي في استعمال هذه اللفظة النابية؛ فقد حاولت جهدي أن أجد صفة خيرًا منها في موضعها فأعجزتني المحاولة، ثم إني لم أر في استعمالها بأسًا بعد أن وصف هو بها الرسم العربي عشرات المرات في كتابه.