الصفحة 62 من 98

أهله لغة قائمة بذاتها؛ لها نحوها وصرفها وتكون هي المستعملة في الكلام الملفوظ وفي الكتابة معًا تيسيرًا على الناس، كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان؛ أو كما فعل اليونان، لم يعالج أي بلد هذا التيسير، وبقي أهل اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة. إن أهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة عند الجميع، وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرًا، وأن يردعوا عقولهم عن التأثر بقانون التطور الحتمي الآخذ مجراه بالضرورة، رغم أنوفهم، في لهجات الجماهير، تلك اللهجات التي تتفرع فروعًا لا حد لها ولا حصر؛ والتي تتسع كل يوم مسافة الخلف بينها وبين الفصيحة جدة جداتها اتساعًا بعيدًا. هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى كما تصح قراءتهم وكتابتهم، هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي، لأنه تكليف للناس بما هو فوق طاقتهم. ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أن تلك العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض اللغات الأجنبية الحية، لكن تناولها من أشق ما يكون، وكلنا مؤمن بهذا، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين، فلنذكر ببعض هذه المشقة"."

هذا بعض قوله في اقتراحه، وما أظن عاقلًا يُخدع بعد ذلك؛ فيصدق الباشا في ادعائه أنه يريد المحافظة على العربية الفصحى، وهو يسخط عليها كل هذا السخط، ويندد بها كل هذا التنديد؛ بل يندد بالأمم المنفصلة سياسيًا أن لم يدر بخلد أحد من أهلها أن يجعل من لهجته لغة قائمة بذاتها لها نحوها وصرفها!! فإن لم تكن هذه دعوة صريحة إلى تمزيق العربية إلى لغات عدة"كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان"فما ندري كيف تكون الدعوة، بل لا يدري أحد من الناس.

إن هذا الاقتراح تجديد للدعوة القديمة التي أشرنا إليها في أول هذا المقال، واستمرار لها، حتى تتمزق وحدة الأمة العربية ويحال بينها وبين قديمها، فلا يعرفه ولا يصل إليه إلا الأفذاذ من علماء الأثريات، كما هو الشأن الآن في اللغات القديمة الميتة، فيحال بين الأجيال القادمة وبين القرآن والحديث وعلوم العرب، كما يظنون، فيندثر هذا الإسلام من وجه الأرض ويطمئن القوم.

ومهما يكابر معالي الباشا وأنصاره فلن يستطيع التفصي من هذه النتائج، ومن حمل كلامه على القصد إليها، وإن تبرأ منها ألف مرة، وإن قال ألف مرة:"أنا مكتف بما يسر الله من ديني وموقن لأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين"!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت