المسلمين. وهذا القرآن وهذه اللغة التي حفظ هما كل ما بقي لنا من آثار الوحدة والتماسك. ولفهموا ما وراء رأي المستشرقين من مقصد أو نتيجة لا يجوز في منطق العقول غيرها: أن القرآن بالوجه الذي أنزل على رسول الله خرج من أيدي المسلمين فيما قرئ بأوجه متعددة، لأنه"يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد"كما قال جولدزيهر، وقد دخل هذا الوجه الواحد في أوجه متعددة غير معين أو غير معروف، أو لعله لم يكن في هذه الأوجه؛ لأن المسلمين - في رأيهم - إنما قرأوا على أوجه يحتملها الرسم المكتوب؛ لا على أوجه أنزل بها من عند الله، وثبتت صحتها وقراءتها عن الرسول الذي أمر بقراءته وإبلاغه للناس. فهذه القراءات في رأي المستشرقين ومن تابعهم ليست كلها أنزل بها القرآن، وإنما أنزل بواحدة منها غير معينة، لا يعرفها المسلمون ولا يعرفها المستشرقون. وحاش لله أن يكون شيء من هذا، و (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا؛ سبحانك هذا بهتان عظيم) .
هذه حقائق لا يشك فيها مسلم وما ينبغي له. فوازن - أيها القارئ الكريم - بينها وبين قول الباشا في كتابه (ص 84 - 85) في شأن رسم المصحف والقراءة:"لقد كان القراء قليلين والكتاب أقل من القليل، والرقاع أندر من الندرة؛ فأيما قبيلة ظفرت بصحيفة مكتوب فيها سورة أو بضع آيات من سور حرصت عليها وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه، وإذ كان رسم الكتابة إذ ذاك أشد اختزالًا مما هو الآن، لتجرده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكتّاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة حتى برسمها القاصر السخيف، إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحًا على مصراعيه. ويكفي أن يكون للألفاظ بعد تصحيفها، معان تتلاءم قليلًا أو كثيرًا، حتى يمضي القارئ في قراءته ويتعصب لها: أرأيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذي نشأ في أول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليته للتصحيف؟ .. على أن عثمان إذا كان له عند الله وعند المسلمين يد بجمعه القرآن، فإن عمله لم ينحسم به الشر من أساسه. كل ما كان أنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف على قاعدة الرسم العربي السخيف؛ بل شر من كانت لديهم صحف كتبوها في أوقات متباعدة وفرص متفرقة، فأتت بطبيعة الحال غير وافية أو غير مراعى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات. أما منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف. فبقي على ما كان عليه، ولم يعالج"