وأحكام القتال والغنائم والأسرى، وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص. فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا، وأعظم على الله الفرية، وظن أن لشخص كائنًا من كان، أو لهيئة كائنة من كانت أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه. وما قال هذا مسلم قط ولا يقوله، ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملة، ورفضه كله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.
9 -إنهم كانوا يدورون حول هذا المعنى ويجمجمون ولا يصرحون، حتى كشف هذا الرجل عن ذات نفسه، وأخشى أن يكون قد كشف عما كانوا يضمرون، ولكن لا أحب أن أجزم في شأنهم، فلسنا نأخذ الناس بالظنة، وحسابهم على الله.
10 -وأعجب ما في الأمر أن يسأل معالي الباشا السيد محب الدين الخطيب:"هل يرى في تلك النظم والقوانين ما يخالف شيئًا من عقائد المسلمين أو يعطل فرضًا من فرائض الدين؟"وسأجيبه أنا جوابًا حاسمًا: نعم، إن هذه القوانين الإفرنجية والنظم الأوربية فيها كثير مما يخالف عقائد المسلمين، وفيها تعطيل لكثير من فروض الدين.
فيها إباحة الخمور علنًا والترخيص رسميًا ببيعها بتصريح كتابي يوقع عليه وزير من وزراء الدولة أو أحد كبار موظفيها. بل إن فريقًا من رجال الدولة الكبار لا يخجلون أن تدار عليهم الخمور في حفلات رسمية، ينفق عليها من أموال الدولة؛ بحجة أن هذا إكرام لمدعويهم من الأجانب، أو بما شئت من حجج تجردت من الحياء. حتى إن الدهماء ومن يَسِمونهم بسمة"الطبقة الراقية"اقتدوا بساداتهم وكبرائهم؛ واستغلوا هذه القوانين فيما يذهب عقولهم ويذيب أموالهم، فانحطوا إلى الدرك الأسفل.
وفيها إباحة الميسر بكل أنواعه، بشروط ورخص وضعوها. فخرت البيوت، واختلت الأعصاب والعقول، مما هو مشاهد يعجز قلمي عن وصفه.
وفيها إباحة الفجور بطرق عجيبة، من حماية الفجار من الرجال والنساء، من سلطان الآباء والأولياء، بحجة حماية الشخصية. ثم ما في الحانات والمواخير؛ ثم اختلاط الرجال والنساء، ثم المصايف وما فيها من البلاء، ثم هذه المراقص العامة والخاصة، بل المراقص التي تنفق عليها الدولة في الحفلات والتمثيل، اقتداء بالسادة الأوربيين."ذوي العقول الجبارة التي كشفت الكهرباء والراديو ومعجزات الطيران".