بعد أن يعطوا ما سار إليهم من أجله؟ لا شيء إلا العدوان وسفك الدم الحرام، ونعيذ بالله خالدًا ومن معه من ذلك. فهذه رواية لم نرها في شيء مما بين أيدينا من المصادر، ولا تكون صحيحة أبدًا، فما ندري من أين جاء بها المؤلف!!
وقد ساق المؤلف مسير خالد هذا المساق:"ثم أنه أزمع السير إلى البطاح يلقى فيها مالك بن نويرة ومن كان معه في مثل تردده. وعرف الأنصار هذا العزم منه فترددوا وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إنما عهده إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا. وأجابهم خالد: إن يكن عهد إليكم هذا فقد عهد إليّ أن أمضي، وأنا الأمير واليّ تنتهي الأخبار؛ ولو أنه لم يأتني كتاب ولا أمر؛ ثم رأيت فرصة أعلنته بها فأتتني لم أعلمه حتى أنتهزها؛ وكذلك إذا ابتلينا بأمر لم يعهد لنا فيه. لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به وهذا مالك بن نويرة بحيالنا. وأنا قاصد له بمن معي من المهاجرين والتابعين لهم بإحسان. ولست أكرهكم". (ص 143 - 144) وهذا النص نقله المؤلف من تاريخ الطبري (241:3 طبعة الحسينية) واختصره بعض الاختصار. وحرفه بعض التحريف. وإن أتى بجملته ومعناه تقريبًا ولا بأس. ولكن في هذه الرواية شيئًا من الشذوذ تحتاج معه إلى نقد وفحص؛ فليس من منطق الحروب ولا منطق الولايات أن يعهد الأمير الأكبر أو القائد الأعلى إلى من دونه من القواد والولاة بعهد ثم يعهد في الوقت نفسه إلى الجند أو إلى من دون القائد والوالي ممن يأتمرون بأمره: بعهد آخر خاص بهم. بل المعروف في الدنيا كلها. وفي تاريخ الولايات في صدر الإسلام خاصة أن الأمير أو القائد له الطاعة الكاملة على من هو في ولايته، من الجند والقواد حتى لو كانوا أرفع درجة منه أو أقدم إسلامًا وهجرة. والمثل على ذلك حاضرة يعرفها كل من قرأ شيئًا من التاريخ - فهذه الرواية إما أن يكون فيها شيء من الخطأ من رواتها وإما أن يكون أبو قتادة رضي الله عنه ومن معه من الأنصار سمعوا شيئًا من أبي بكر ظنوه عهدًا خاصًا إليهم فأخطئوا سمعه أو فهمه. ثم أخطئوا فيما ذهبوا إليه من الخلاف على خالد فلما استبانوا خطأهم بعد أن سار وتركهم، أرسلوا وراءه من استمهله حتى أدركوه؛ ندمًا على ما كان منهم؛ ودخلوا في أمره.
وفي الطبري رواية أخرى تساير منطق الحوادث، وتساير منطق العهود والولايات (225:3) فهي