واضح لمن فهم شرائع الإسلام وحقائقه. أيقن من ردة مالك بن نويرة ولم يوقن من توبته إلا ما شهد له ناس أنهم سمعوا الأذان في ناحيته وإلا قوله لخالد في بعض الروايات أنه مسلم، ولم يشهد أحد لخالد أنه أقر بالزكاة، ولم يقل هو ذلك أيضًا، بل قال لخالد"إني آتي الصلاة دون الزكاة"ثم تفلت منه بعض كلمات تنبئ عن إصراره، فلا يرى خالد مناصًا من قتله، فتكون نساؤه سبيًا بحكم الشريعة، ثم نجد أخاه متمم بن نويرة لا يكاد يرثيه بكلمة تنبئ عن إسلامه، بل يدعي غدر خالد وغدر ضرار ويصرح بالفرق بين استشهاد زيد أخي عمر ومقتل مالك أخيه. أفلا يكون في كل هذا عذر ومتأول لخالد؟
ثم بعد هذا كله تبقى ليلى وابنها في يد خالد ملك يمين، مدة خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر؛ حتى يأتي متمم بن نويرة فيستعدي عمر على خالد، وقد صار الخليفة ولي الأمر، فلا يعديه عمر ويأبى أن يغير حكم أبي بكر؛ ولكنه يرضيه بأن يرد عليه امرأة أخيه وابنها. ولسنا نفهم هذا الرد إلا بأن عمر طلب إلى خالد أن ينزل عنهما، وهما ملك يمينه؛ فيرضى استجابة لرغبة عمر، لا طاعة لحكمه، فليس في سلطان أمير المؤمنين أن يأخذ أموال الناس كرهًا، ولم يكن ذلك من عملهم ولا من خلقهم.
أفيظن ظان أن الصدر الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون خالدًا على استبقاء ليلى امرأة مالك؛ وهم يعلمون أنها تعاشره بعقد باطل حرام، كما يصور المؤلف زواجه إياها قبل تمام طهرها!! اللهم غفرًا.
أشد ما أخشى أن يكون المؤلف تأثر بما قرأ من أخبار نابليون وغيرهن من ملوك أوربا؛ في مباذلهم وإسفافهم، وبما كاتب الكاتبون من الإفرنج في الاعتذار عنهم لتخفيف آثامهم، بما كان لهم من عظمة وبما أسدوا إلى أُممهم من فتوح وأياد؛ حتى يظن بالمسلمين الأولين أنهم أمثال هؤلاء فيقول"إن التزمت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ والعظماء من أمثال خالد"وهذا قول يهدم كل دين وكل خلق.
إن هذه النظرية - نظرية تبرير الجرائم والمنكرات بعظمة العظماء، ونبوغ النوابغ، وآثار القادة ...