الصفحة 97 من 98

والكبراء - نظرية خطيرة لا تقوم معها للأمم قائمة، تنحدر بها إلى مهاوي الشهوات، وتنتهي بها إلى الإباحية ثم إلى الانحلال كما انحلت فرنسا وغيرها من الأمم، بما استرسل كبراؤهم وزعماؤهم في التبذل والترف، وتبعهم العامة والدهماء {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} .

ومعاذ الله أن نظن مثل ذلك بالصدر الأول من الصحابة والتابعين، عهد أبي بكر وعمر، وسيرهم معروفة وآثارهم مشاهدة؛ وفضلهم على العالم لا ينكر.

وليت المؤلف الفاضل يشرح لنا في هذا الأمر وجهة نظره، ويبين لنا لحساب من يقرر هذه النظرية الخطرة المدمرة!

أما قسوة عمر في اتهام خالد عند أبي بكر، فإنها قسوة الرجل العادل الحازم، لم يشهد الأمر بنفسه، ولم يك قاضيًا فيه، إنما بلغه أمر، فكان لسان الاتهام، يقرر ما يسمع ويعرضه على الخليفة ولي الأمر، والخليفة بما يملك من سلطة القضاء، سأل خالدًا عما نُسب إليه، وسمع قول أبي قتادة وغيره، ثم حكم بما استبان له، فعذر خالدًا ولم يجد في عمله موضعًا للقصاص ولا موجبًا للحد. فكان حكمًا قاطعًا. لا يجوز لعمر ولا لغيره أن يستأنف النظر فيه. ولذلك قال لمتمم في خلافته"لا أرد شيئًا صنعه أبو بكر. فقال متمم: قد كنت تزعم أن لو كنت مكان أبي بكر أقدته به. فقال عمر:"لو كنت ذلك اليوم بمكاني اليوم لفعلت ولكني لا أرد شيئًا أمضاه أبو بكر"."

وما نظن عمر كان يفعل ما كان يريد لو كان خليفة ذلك اليوم؛ إنما هو يبين عن رأيه في أمر قد نظر إليه من جانب واحد، هو جانب الاتهام. ولعله لو قد سمع الطرف الآخر - طرف الدفاع - ونظر إلى الأمر من الجانبين كما نظر إليه أبو بكر، لانتهى إلى ما انتهى إليه حكم أبي بكر. وفي مثل هذا تختلف أنظار القضاة. ويختلف اجتهاد المجتهدين في وزن الأدلة وتقدير البراهين. فلن تكون كلمة عمر وحدها حجة على خالد تثبت عليه إجرامًا لم يثبت عند الحاكم وقد برأه الحاكم مما نُسب إليه. ولن تكون كلمة عمر وحدها حجة على أبي بكر؛ حتى يُتهم بالتهاون في شأن جرم يوجب الحد أو القصاص وبأنه كان يتزمت في تطبيق التشريع على العامة والدهماء؛ ولا يتزمت في تطبيقه على النوابغ والعظماء! كفعل ساسة هذا العصر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت