ويبقى معنا أمر يلزم التنبيه إليه، وهو أن جميع هذه الروايات المتقدمة قد اتفقت على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بنى بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي بنت تسع سنين، ولم يختلف الرواة في ذلك، لا في حديث هشام بن عروة، ولا في أحاديث من تابعوه، ولا أحاديث من تابعوا أباه، ولكن اختلفت رواياتهم في سنها عند عقدة النكاح، فأغلبهم قال: ست سنين، وبعضهم قال سبع سنين، وبعضهم رواه بالشك بين ست وسبع سنين، ويحمل كل ذلك على تقدير الشهر الذي تم فيه العقد، مقارنة بين السنة التي دخل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ذلك كان على التقريب في قول من قالوا سبع سنين، لأن أغلب الرواة قالوا ست سنين، وهو أمر محتمل في مسألة تقدير العمر، وقد وضح كل ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري [1] .
وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود: وليس شيء من هذا بمختلف, فإن عقده عليها كان وقد استكملت ست سنين, ودخلت في السابعة, وبناؤه بها كان لتسع سنين من مولدها .... اهـ [2] .
فأنت ترى أن المحدثين تنبهوا للاختلاف الواقع في الرواية الأخرى وجمعوا بين الروايات.
الشبهة الثانية:
مقارنة سن عائشة بسن أسماء بنت أبي بكر [3] رضي الله عنهما.
(1) فتح الباري (7/ 224) .
(2) تهذيب سنن أبي داود لابن قيم الجوزية (1/ 299) .
(3) أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين زوج الزبير ابن العوام من كبار الصحابة عاشت مائة سنة وماتت سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وهي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين، ماتت بعد ابنها بأيام في آخر جمادى الآخرة، ماتت بعده بخمسة أيام، وقيل بعشرة، وقيل بعشرين، وقيل بضع وعشرين يوما، وقيل عاشت بعده مائة يوم وهو الأشهر، وبلغت من العمر مائة سنة ولم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل رحمها الله. وقد روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة أحاديث طيبة مباركة رضي الله عنها ورحمها. (معرفة الصحابة لابن منده(ص: 982) ،الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/ 616) ، وأسد الغابة (5/ 392) ، الإصابة (4/ 232) البداية والنهاية (8/ 381) . ماتت عائشة قبلها بستة عشر سنة.