عَوَالِى الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْىِ وَغَيْرِهِ ... الحديث) [1] .
ومعنى هذا أن البعض قد يكتفي بحضور البعض, وأنهم لم يلتزموا بالسماع مشافهة من النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كانوا عدولا مأمونين, يثق بعضهم في بعض, ولا يتطرق الشك إليهم [2] .
ومما يدل على ذلك ما روي عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ:"مَا كُلُّ الْحَدِيثِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُنَا عَنْهُ، كَانَتْ تَشْغَلُنَا عَنْهُ رَعِيَّةُ الْإِبِلِ" [3] .
وما روي عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ:"وَاللَّهِ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَكِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلَا يَتَّهِمُ بَعْضُنَا بَعْضًا" [4] .
فأَصْحَاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانُوا يطْلبُونَ مَا يفوتهُمْ سَمَاعه من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمعونه من أقرانهم وَمِمَّنْ هُوَ أحفظ مِنْهُم وَكَانُوا يشددون على من كَانُوا يسمعُونَ مِنْهُ [5] .
فعائشة بحكم صغر سنها، قد فاتها كثير من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان عليها لتستكمل علمها بالحديث أن تأخذه عن الصحابة، الذين سمعوه من النبي
(1) أخرجه: البخاري في - كتاب العلم - باب التناوب في العلم- 1/ 46 ح (89) .
(2) الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين (ص: 55) .
(3) أخرجه: أحمد في المسند (30/ 450) ح (18493) ، وقال الشيخ شعيب: إسناد صحيح.
(4) المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة باب مناقب أنس بن مالك (3/ 665) ح (6458) .
(5) توجيه النظر إلى أصول الأثر (1/ 395) .