الإذن بالهجرة إلى الحبشة أمره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتأني، وقد فهم الإشارة فبدأ يتهيأ للهجرة إلى المدينة وليس إلى الحبشة.
فالبخاري بوب على الرواية بباب الهجرة إلى المدنية وفي نهاية الحديث:"ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ، يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ، فَمَكَثَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ" [1] .
وهذا يعني أن ذلك كان بعد مضي تسع سنوات على البعثة، وهو ما يجعل عائشة تعقل كل شيء في ذلك العهد.
فقول عائشة:"لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين"ليس فيه ما يشكل، لأنها تخبر عن نفسها، وهذا هو الذي وقع فعائشة عرفت نفسها وأبواها مؤمنان، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل الهجرة.
وأما بقية الخبر ولاسيما خبر الهجرة إلى الحبشة فليس ضروريًا أن تكون عائشة قد عاصرته، وليس هناك ما يدل على أن عائشة ادعت سماع مثل ذلك، فقد ترويه عن غيرها ممن عاصر هذا الشيء مثل أبيها أو أمها أو أختها أسماء أو غيرهم، وهذا ما يسمى عند المحدثين بمرسل الصحابي، وهو مقبول.
قال ابن الصلاح:".. مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث [أي: صغار] الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمعوه منه، لأن ذلك في حكم الموصول المسند لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابي غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول والله أعلم" [2] .
(1) صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة باب عجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - (3/ 1417) ح (3692) .
(2) في"مقدمته" (ص 75) .