فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 89

لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ (66 ) ) [الزمر] , ولم يقصد السبكي هذا في هذا الموطن، فهو يقول هنا: (السؤال بالنبي ليس سؤالًا للنبي بل سؤال به) .

ويراد بالتوسل به صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه في حياته وهذا لا نزاع في جوازه.

والسبكي لا يقصد هاذين، وإنما يقصد في هذا الموطن قول الشخص في دعائه: (أسألك بنبيك، أو بحق نبيك) كما ذكر ذلك في كتابه هذا، وهذه مسألة سهلة، وهي مسألة اجتهاد، والأمر كما قال شيخ النهضة المعاصرة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب - قدس الله روحه ونور ضريحه - قال: (قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد: يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مع قولهم: إنه لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جدًا، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصُّه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر العلماء ينهي عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور: إنه مكروه فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن إنكارنا على من دعا لمخلوق) .

فالمسألة فيها خلاف مشهور، أجازها كثير من العلماء في المذاهب الأربعة، في مذهب أحمد وغيره، ومنهم أحمد نفسه في رواية، فالأمر فيها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإن كان في العلماء من سوَّغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهي عنه، فتكون مسألة نزاع، فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله, ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع، وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين، بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم، فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء، والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة) التوسل والوسيلة: ص 106.

فالعجب حينئذ كل العجب من السبكي كيف يحكي الإجماع في مسائل النزاع! وينكر على المخالف في مسائل الاجتهاد! فإن كان لم يبلغه الخلاف فما كان يجوز له أن يجزم بالإجماع، بل يقول مثلًا: لا أعلم خلافًا، ويتبين حينئذ جهله في هذا الباب، وإن كان يعلم الخلاف فمعتد ظالم سالك غير سبيل العلماء المنصفين، شهَّر بنفسه في الأقطار وعلى مر الأزمان، بين علماء زمانه وبعدهم إلى اليوم وإلى ما يشاء الله فالخلاف في المسألة معروف مشهور وقد نقله الشيخ ابن تيمية مما يرجح وقوف السبكي عليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت