فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 89

أخرى والحمد لله. ثم قال السبكي: (ونحن نقول: قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم) وهذا أمر عجب فمن المعلوم عند القاصي والداني أنه لا يحل الاعتماد على مجرد تصحيح الحاكم ولا يعتمد على ذلك إلا من هو من أجهل الناس بالحديث أو من في قلبه زيغ، فالحاكم صحح موضوعات في مستدركه، وهو من أكثر العلماء تساهلًا في مستدركه، ثم قال السبكي: (وأما ما ورد من توسل نوح وإبراهيم عليهما السلام وغيرهما من الأنبياء فذكره المفسرون، واكتفينا عنه بهذا الحديث لجودته وتصحيح الحاكم له) ، وهذا يعني أنه لم يصح عنده إلا هذا الحديث الموضوع، فكيف يجوز له أن يقول: (إعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحُسْنُه من الأمور المعلومة لكل ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين) !!.

لذلك قال العز ابن عبد السلام في فتاويه: (لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي إن صح الحديث) يقصد حديث الضرير وسيأتي، فقوله: إن صح الحديث يدل أنه لا يعلم صحته، وأنه لا إجماع في المسألة، ويدل أنه لم يستدل بغيره كما فعل هذا السبكي. والحديث في المسند وعند الترمذي عن عمان بن حنيف: (أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قال: إن شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لك، قال: فَادْعُهْ قال: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بهذا الدُّعَاءِ: اللهم إني أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إني تَوَجَّهْتُ بِكَ إلى رَبِّي في حَاجَتِي هذه لِتُقْضَى لِيَ اللهم فَشَفِّعْهُ فِيَّ) قال الترمذي: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلا من هذا الْوَجْهِ من حديث أبي جَعْفَرٍ وهو الْخَطْمِيُّ وَعُثْمَانُ بن حُنَيْفٍ هو أَخُو سَهْلِ بن حُنَيْفٍ. والحديث صححه جمع من أهل العلم، فعلى فرض صحته، لكن هناك نزاع في وجه الدلالة منه، فيحتمل أن يكون المراد التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعيد، ويحتمل التوسل بدعائه وهو الراحج لأسباب كثيرة، منها كون هذا الموافق لفعل سائر الصحابة ويكون هذا من رد المتشابه إلى المحكم، ومنها التأمل في نفس الحديث فإن فيه طب الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا الحديث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما بعد وفاته فالصحيح عدم جواز ذلك لما جاء في صحيح البخاري عن أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ كان إذا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمُطَّلِبِ، فقال: اللهم إِنَّا كنا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قال فَيُسْقَوْنَ) فلو جاز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لما تركه عمر وأقره عليه بقية الصحابة رضوان الله عليهم، وما يستدل به السبكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت