فلم يتمنَّوا الموت، رغمَ قدرتِهم على تمَنِّيهِ ولو كذبًا، ورغمَ توبيخِ اللهِ لهم بأنهم لن يَتمنوه، ورغمَ حِرصهم على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم.
الآية 96: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} : أي وأَحْرَصَ مِن الذين أشركوا، بمعنى أنهم تزيد رغبتهم في طول الحياة على رغبات المشركين، أيًّا كان نوع هذه الحياة مِن الذِّلَّة والمَهانة، {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} : يعني وما تعميرُهُ في الدنيا بمُزَحْزحِهِ من عذابِ الله، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .
الآية 97: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} أي فإنَّ جبريل نَزَّل القرآن على قلبك {بِإِذْنِ اللَّهِ} ، فنَزَلَ القرآنُ {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} .
الآية 98: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} أي وخاصةً المَلَكين (جبريل ومِيكال) ؛ لأنّ اليهود زعموا أنَّ جبريل عدوهم، وأنَّ مِيكال وليُّهم، فأعلمَهُم اللهُ تعالى أنه مَن عادَى واحدًا منهما فقد عادَى الآخر وعادَى اللهَ أيضًا، ومَن عادَى اللهَ تعالى {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} .
الآية 99: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يعني آياتٍ واضحاتٍ تدلُّ على أنَّك رسولٌ مِن اللهِ صِدقًا وحقًّا، {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ} : يعني وما يَكْفُرُ بهذه الآيات إلا الخارجون عن دين الله وطاعته.
الآية 100: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} ؟ هذا استفهامٌ للتعجب من عدم صَبْر اليهود على الوفاء بعهودهم، فكلما عاهَدوا عهدًا: طَرَحَ ذلك العهد فريقٌ منهم ونَقضوه، ثم ذَكَرَ تعالى السبب في ذلك فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} إذ عدم إيمانهم هو الذي أوْجَبَ لهم نَقْضَ العهود، ولو صَدَقَ إيمانُهم، لَكانوا مِثل الذين قال اللهُ فيهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} .
الآية 101: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم، {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} (حيثُ جاءهم بالقرآن الموافق لِمَا معهم من التَوْراة) ، فلَمَّا جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ} : أي طَرَحَ فريقٌ منهم التَوْراة، وجعلوها {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} حقيقة ما ذُكِرَ فيها من صفات هذا الرسول.