الصفحة 37 من 90

الآية 163: {وَإِلَهُكُمْ} أيها الناس {إِلَهٌ وَاحِدٌ} فهو سبحانه واحدٌ في ذاته وأسمائه وصفاته، ليس كَمِثله شيء، وهو السميع البصير، فاللهُ تعالى يَسمع ويُبصِر، والإنسان أيضًا يَسمع ويُبصِر، ولكنَّ سَمْعَ الإنسان وبصره لهما حدودٌ؛ إذ إنه لا يستطيع أن يُبصِرَ ما وراء الحائط، وكذلك لا يستطيع أن يَسمع ما يدور في الغرفة المجاورة له، أمّا اللهُ تبارك وتعالى فليس لِسَمعِهِ ولا لبصره حدود، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: {تبارك الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصوات، إنّ المرأة لَتُناجي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أسمعُ بعض كلامها، ويَخفى عليَّ بعض، إِذ أنزل اللهُ تبارك وتعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} ).

? وهو سبحانه واحدٌ في أفعاله؛ لأنه تعالى غالبٌ على أمْره، إذا أراد شيئًا، قال لهُ: كُن، فيكون، وهو سبحانه واحدٌ في استحقاقه لعبودية خلقه له، فهو الذي {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} : أي لا معبودَ بحقٍ إلا هو، وكل ما يُعبَدُ من دونه باطل، وهو {الرَّحْمَنُ} الذي وَسِعَتْ رحمته جميع الخلق {وهذه رحمة عامة بالمؤمنين والكافرين} ، وهو {الرَّحِيمُ} بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} ، ولذلك ينبغي للعبد المؤمن أن يرجو من ربه هذه الرحمة الخاصة مُتذلِّلًا إليه بالرحمة العامة، فعندما يقرأ في الصلاة قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فإنه يقولُ بقلبه: (يا رب، إنك لا تَزالُ بي بَرًّا أيامَ حياتي، فأرجو أن تُدرِكَني برحمتك بعد مماتي) .

الآية 164: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ} بارتفاعها واتِّساعها، {والأَرْضِ} بجبالها وسهولِها وبحارها، {واخْتِلَافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ} : أي وفي اختلاف الليل والنهار مِن الطول والقِصَر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يَخلفَ كلٌّ منهما الآخر، {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} : أي وفي السفن الجارية في البحار، التي تحمل ما ينفعُ الناس، {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ} : أي وفيما أنزل اللهُ من السماء {مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فصارت مُخضرَّة ذاتَ بهجة، بعد أن كانت يابسة لا نباتَ فيها، {وَبَثَّ فِيهَا} : يعني وما نَشَرَ فيها {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} {وَ} ما أنعمَ به عليكم مِن {تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} : أي تقليبها وتوجيهها، {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} لإنزال المَطر، إنّ في كل الدلائل السابقة {لآياتٍ} على وحدانية اللهِ تعالى، واستحقاقه وحدَه للعبادة، وعلى عظِيمِ نِعَمِه {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، إذ إنه لا يُعقَلُ أبدًا أن يَخلُقَ ويُعبَد غيرُه، وأن يَرزُقَ ويُشكَر غيرُه!

الآية 165: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ} : يعني: ورغم هذه البراهين القاطعة على وحدانية اللهِ تعالى، يَتخذ فريقٌ من الناسِ {مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا} أي آلهةً وأوثانًا وأولياء {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} : أي يُعطونهم من المَحَبّة والتعظيم والطاعة، ما لا يَليق إلا باللهِ وحده، {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} مِن حُب هؤلاء الكفار لآلهتهم؛ لأنّ المؤمنين قد أخلَصوا المَحَبّة كلَّها لله، وأولئك أشرَكوا في المَحَبّة، {وَلَوْ يَرَى} : يعني ولو يَعلم {الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت