{وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أهلِيكُم، {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} لابُدَّ مِن صيامِها، {ذَلِكَ} : أي ذلك الهَدْيُ وما ترَتّبَ عليه من الصيام يكونُ {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : أي ليسَ أهلُهُ مِن سُكَّان مَكّة، (واعلم أنّ المُقِيمِين في مَكّة لِعَمَلٍ أو تجارةٍ أو نحو ذلك، فأولئك أيضًا ليسُوا مِن حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ) ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومِن ذلكَ امتثالكم لهذه المأمورات، واجتناب هذه المَحظورات المذكورة في هذه الآية، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لِمَن خالفَ أمْرَه وَعَصَاه.
الآية 197: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} : أي وقتُ الحَج أشهرٌ يَعلمها الناس، {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} : يعني فمَن أوْجَبَ على نفسِهِ الحَجّ في هذه الأشهر، وذلك بالإحرام (وهو نِيَّة الدخول في النُّسُك) {فَلا رَفَثَ} : يعني فيَحرُمُ عليه الجِمَاعُ، ومُقدِّماتهُ القولية والفِعليَّة، {وَلا فُسُوقَ} : أي ويَحرُمُ عليه الخروج عن طاعة اللهِ تعالى بفعل المعاصي {وَلا جِدَالَ} : أي ويَحرُمُ عليه الجدالُ الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية، كلُّ ذلك حَرَّمَهُ اللهُ {فِي الْحَجِّ} .
? إذ إنّ المقصود مِن الحَجّ: (الذل والانكسار للهِ تعالى، والتقرُّب إليه بما أمكنَ مِن القرُبَات، والتنزّه عن فِعل السيئات) ، فإنه بذلك يكونُ حَجًّا مَبرورًا، والحَجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة، واعلم أنّ هذه الأشياء - وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان - فإنها تكونُ أعظمَ إثمًا في الحج.
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} وهذا يَتضمن غاية الحَثّ على أفعال الخير، وخصوصًا في تلك البِقاع الشريفة، فإنه ينبغي تدارُك ما أمكَنَ تدارُكُهُ فيها مِن صلاةٍ وصدقةٍ وطوافٍ، وغير ذلك، وقد ثبت عن النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم أنّ الصلاة في المسجد الحرام تُعادِلُ مائة ألفِ صلاةٍ في غيره (انظر حديث رقم: 3841 في صحيح الجامع) ، {وَتَزَوَّدُوا} : أي وخذوا لأنفسِكم زادًا مِن الطعام والشراب والمال لسَفر الحَج؛ (فإنّ الإنسانَ إذا تزوّد: استغنَى عن المخلوقين، وكَفَّ عن سؤالِهم أموالَهُم) ، {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} : أي وخذوا أيضًا زادًا مِن صالِح الأعمال للدار الآخرة، فإنّ خيرَ الزادِ: تقوى اللهِ تعالى، فهذا هو الزاد الحقيقي، المستمرُّ نفعُهُ لِصَاحِبهِ في دُنياهُ وآخِرَتِه، وهو المُوصلُ لأكْمَلِ لذةٍ، وأسْعَدِ حياةٍ، {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} .
الآية 198: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} : أي لَيْسَ عَلَيْكُمْ إثمٌ ولا حرج في أن تطلبوا رزقًًا من ربكم (بالربح مِن التجارة وغيرها) في أيام الحج، {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} : يعني فإذا دُفِعتم - مع الزحام - راجعينَ {مِنْ عَرَفَاتٍ} وهي المكان الذي يقف فيه الحُجّاج يومَ التاسع مِن ذي الحِجَّة، {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} بالتسبيح والتلبية