والدعاء {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وهو المُزدَلفة، {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أي كما مَنَّ عليكم بالهدايةِ بعدَ الضلال، {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ} أي مِن قبل هذا الهُدى {لَمِنَ الضَّالِّينَ} : أي كنتم في ضلالٍ لا تَعرفونَ معهُ الحق.
الآية 199: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} : يعني وَليَكُن اندفاعُكُم مِن مُزدَلفة، التي أفاضَ منها إبراهيمُ عليه السلام، مُخالِفينَ بذلكَ مَن لا يَقف بها مِن أهل الجاهلية، {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} مِن الخَلَل والتقصير الذي وَقَعَ منكم في عبادة الحَجّ {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لعبادِهِ المُستغفِرين التائبين، {رَحِيمٌ} بهم.
الآية 200: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} : يعني فإذا فرَغتم من أعمال الحج: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} : أي فأكثِروا مِن ذِكر اللهِ والثناء عليه، مِثل ذِكْركم مَفاخِر آبائكم وأعظم من ذلك.
? ثم أخبَرَ تعالى عن أحوال الخَلق، وأنَّ الجميع يَسألونه مَطالبهم، ولكنّ مَقاصدهم تختلف: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ} يَجعل هَمَّهُ الدنيا فقط، فـ {يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا} أي صِحَّةً ومالًا وأولادًا وغير ذلك، {وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} : أي وليس له حَظٌّ ولا نصيب في نعيم الآخرة; لعدم رغبته فيها ولأنّ هَمَّهُ كانَ مُقتصرًا على الدنيا.
الآية 201: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} أي زوجةً صالحة، وصِحَّةً ورزقًًا، وولدًا صالحًا، وعِلمًا نافعًا، وعملًا مُتقَبَّلًا، وغير ذلك من أمور الدِّين والدنيا، {وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} أي الجنة، {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .
الآية 202: {أُوْلَئِكَ} الداعُون بهذا الدعاء {لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} : أي لهم ثوابٌ عظيم، بسبب ما كَسَبُوهُ من الأعمال الصالحة (ولذلك ينبغي للعبد أن يُكثِرَ مِن قول هذا الدعاء، كما كانَ يفعل النبي صلى الله عليه وسلم) ، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} لا يُعجزُهُ إحصاءُ أعمالِهم، ومُحاسبتهم عليها.