الصفحة 51 من 90

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ما هو خيرٌ لكم {وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ذلك، فبادِروا إلى الجهاد في سبيلِه - وذلكَ بعد إذنٍ مِن وليّ الأمر (وهو حاكم البلد) - فبِمَا أنها مَوتةٌ واحدة، فلتكُنْ للهِ جَلَّ وَعَلا؛ حتى تكونَ كَلِمَتُهُ هي العُليا، وذلكَ بأن يُعبَدَ ولا يُعبَد غيرُه.

? وفي هذه الآية: تصبيرٌ لِكُلِّ مَن كانَ يَظنُّ أنَّ الخيرَ في أمرٍ ما، ثم لم يَتحقق له ذلك الأمر، فإنه لا بد أن يَعلمَ أنَّ الإنسانَ جاهِلٌ بما فيه الخير والمَصلحة؛ لأنه لا يَعلمُ الغيبَ، فعليه أن يُفوِّضَ أمرَهُ كُلهُ للهِ تعالى، الذي يَعلمُ الغيبَ وحدهُ، والذي يَعلمُ أين الخير؛ ولذلك قال تعالى بعدها: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .

الآية 217: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} أي: هل يَحِلُّ القتال فيه؟ {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} : أي عظيمٌ - في حُرمَتِهِ - عند اللهِ تعالى، {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : أي واعلموا أنَّ مَنْعَكُمُ الناسَ - بالتعذيب والتخويف - مِن الدخول في سبيل اللهِ {وهو الإسلام} ، {وَكُفْرٌ بِهِ} : يعني وأنَّ جُحُودَكُم باللهِ وبرسولِه وبدينِه، {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : يعني وَأنَّ صَدَّكُمُ الناسَ عن دخول المسجد الحرام، {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} : يعني وأنَّ إخراجَ النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين منه - وهُم أهله وأولياؤه -، كُلُّ ذلك {أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} ذنبًا، وأعظمُ جُرمًا مِن القتال في الشهر الحرام، {وَالْفِتْنَةُ} وهي الشِرك الذي أنتم عليه {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} في الشهر الحرام {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} تحقيقَ ذلك {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} {وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

الآية 218: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} باللهِ ورسولِهِ وعَمِلوا بشرْعِهِ، {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} وتركوا ديارَهُم {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} ولا يَرجُونَ أعمالهم؛ لأنهم يَعلمونَ أنه مهما عَظُمَت أعمالُهُم، فإنها لا تَعْظُمُ على العظيمِ جَلَّ جلالُه، وأنهم لن يَدخلوا الجنة بأعمالهم، إنما يَدخلونها - فقط - برحمةِ اللهِ تعالى لهم.

? وفي هذا إرشادٌ إلى عدم الإعجاب والاغترار بالعمل، فإنَّ العبدَ لا يدري: هل قُبِلَ العملُ منه أو لا؟ وإنْ قُبِلَ منه، فلا يدري: هل فعَلَ شيئًا مِن مُحبِطات الأعمال أم لا؟، ولذلك ينبغي لِلعبدِ أن يَعملَ العمل، ثم يرجو رحمة ربه، فيقولُ مَثلًا: {يا ربِّ، أنا أعلمُ أنَّ هذا العمل لا يَستحِقُّ أن يُعرَضَ عليكَ، فضلًا عن أن يُقبَل، ولكني أعلمُ أنك كريم، فاقبلهُ يا ربِّ رَحمَةً مِنكَ وَفضلًا} ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لِذنوب عِبادهِ المؤمنينَ التائبين، {رَحِيمٌ} بمَن اتَّقاهُ، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} وقال - أيضا: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت