الصفحة 72 من 90

وهذه الآية، وهكذا)، فطالما أنَّ علماءَ الحديث - وَهُم أهلُ التخصص، وأهلُ الذكر في هذا المجال - قد أجْمَعُوا على صِحَّةِ حديثٍ ما، فلا ينبغي أن تُضَعفَ الحديث لِمُجَرَّد أنك تعتقد أنه لا يتفق مع عقلك، وإنما ينبغي أن ترجع إلى أهل العلم المتخصصين لِيُفهِّمُوكَ بإذن اللهِ تعالى، فأنتَ لا تعلمُ الفرقَ بين العام والخاص، والمُطلَق والمُقَيَّد، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} يعني: وَعِلمُهُ تعالى مُحِيطٌ بجميع الكائنات - ماضِيها وحاضرها ومُستقبَلها - {وَلا يُحِيطُونَ} : أي ولا يَطَّلعُ أحدٌ مِن الخَلق {بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} (والكُرسي: هو مَوضِع قدَمَي الرَبِّ جَلَّ جلالُه) ، كما ثبتَ ذلك عن ابن عباس رضي اللهُ عنهما، مِن غير أن نُشَبِّهَ قدمَي الرب بقدمَي المخلوق؛ لأنه سبحانه ليس كَمِثلِهِ شيء، فلا يَعلمُ شكلَ هذه القدم إلا اللهُ سبحانه وتعالى، ونحن نقولُ ذلكَ لأنَّ هناك مَن يُؤَولُونَ - أي يُبدلون معنى - صفاتِ اللهِ تعالى الثابتة في كِتابه، فيقولون - مَثلًا - بأنَّ معنى اليَد هو: النعمة، ونحنُ نعلمُ أنهم يفعلون ذلك مِن أجل تَنزيهِ اللهِ تعالى (خَوْفًا مِن تشبيههِ بخَلقِه، وحتى يَمنعوا العقلَ مِن التخيُّل) ، ونحن نُحسِنُ الظنَّ بهم في ذلك، ولكننا نقولُ - وبمُنتهَى البَسَاطة: (إذا سألكَ اللهُ تعالى يوم القيامة:(لماذا قلتَ أنَّ لي يَدًا؟) ، فإذا قلتَ: (يا ربِّ، أنتَ الذي قلتَ - وقوْلُكَ الحق: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، فتنجو بذلك الجواب، وأمّا إذا سألك: لماذا قلتَ بأنَّ اليَد هي النعمة؟) ، فبماذا سَتَرُدُّ؟! فلا داعي - أخي الكريم - لإرهاق ذهنِكَ فيما لم تَرَهُ، وفيما لا يَنفعك، فالأمر بسيط جدًّا: أثبِت الصفة للهِ تعالى - كما أثبَتَها لِنفسِه - ثمَّ لا تتخيلْ ولا تُشَبِّهْ، ولا تَقلْ - مَثلًا: (كيفَ يتكلم؟ أو كيفَ يَسمع؟) ولكنْ قل: (اللهُ تعالى له يَد، ولكنْ ليست كَيَدِ المخلوق) .

? ونضربُ على ذلك مثالًا - ولِلهِ تعالى المَثَلُ الأعلى: (لو أننا تصورنا أن هناك سَيَّارَة لها عقل، فإذا حاوَلَتْ هذه السيارة أن تتخيل شكل مَن صَنَعَهَا، فإنها ستقول: إنَّ الذي صَنَعَنِي - بالتأكيد - سيارة ضخمة جدًّا، ولها(عَجَلات) كبيرة جدًّا)، فهي تظن أنه مِثل شكلها تمامًا ولكنْ بحَجْم أكبر، فهل الذي صنعها كذلك؟ أم أنه مُختلف تمامًا عما تَخَيَّلتْهُ؟ وهكذا تَخَيُّل الإنسان لخالقه سبحانه وتعالى (الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، فلا يُشْبِهُ تعالى أحدًا مِن خَلقِه، وَكُلُّ ما سَيَدُورُ ببالِكَ فاللهُ سبحانه بخِلافِ ذلك).

? وَمِنْ لَطِيفِ ما يُذكَرُ هنا أنه قد دخل رَجُلان على أحد علماء المسلمين، فقالا له: (أنتَ الذي قلتَ: إنَّ اللهَ يَغضب؟) ، فقال لهما: (أنا لم أقل ذلك، ولكنَّ اللهَ تعالى هو الذي قال ذلك) ، فقالا له: هل تعلم أنَّ الغضب هو غَلَيَانُ الدم في القلب؟) فقال لهما: (هل لِلهِ إرادة؟) قالا: (نعم) ، قال: (فإنَّ الإرادة هي مَيْل القلب إلى فِعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت