الشَيْء)، فأرادَ بذلك أن يُوَضحَ لهما أنَّ غضبَ اللهِ تعالى ليس كَغَضَبِ المخلوق، وأنَّ إرادَتَهُ لَيْسَتْ كَإرادةِ المخلوق، - المُهِمُّ أن تُثبِتَ الصفة كما جاءت، ولا تقل: كيف؟ - فما كانَ مِن الرجُلَيْن إلا أن انصرفا.
{وَلا يَئُودُهُ} : أي ولا يُثقِلُهُ تعالى {حِفْظُهُمَا} : أي حِفظ السموات والأرض مِن الزوَال، فهو وَحْدَهُ الذي يَحفظهما في تَوَازُن عَجِيب ومُذهِل، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} وقال تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ، فهما قائمتان بقدرتِهِ جَلَّ وَعَلاَ، وكذلك لا يُثقِلُهُ تعالى حِفظُ ما فيهما من الكائنات، ولا يَشُقُّ عليه ذلك، بل إنَّ ذلك أهْوَنُ عليه سبحانه مِن حِفظ السموات والأرض، {وَهُوَ الْعَلِيُّ} بذاتِهِ وصفاتِهِ على جميع مخلوقاتِهِ، وهو {الْعَظِيمُ} الذي يَتضاءل عندَ عَظَمَتِهِ جَبَرُوت المُلوك والجَبَابِرَة.
? واعلم أنَّ هذه الآية هي أعظمُ آيةٍ في القرآن، وتُسَمَّى: (آية الكُرْسِيِّ) ، ومَن قرأها عندَ النوم لم يَقربْهُ شيطان، ولا يَزالُ عليهِ مِن اللهِ حافظٌ حتى يُصبِح (كما ثبتَ ذلك في صحيح البُخاري، مِن حديث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه) .
الآية 256: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} : أي لا يَحتاجُ الإسلام إلى أن يُكْرَهَ المرءُ على الدخول فيه، وإنما يَعتنقهُ بإرادتِهِ واختياره، وذلك لِكَمَال هذا الدين واتضَاح آياتِه، (وفي هذا رَدٌّ واضح على مَن قالَ بأنَّ الإسلامَ قد انتشرَ بِحَدِّ السيْف) ، {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} : أي فالدلائلُ واضحة يَتضِح بها الحق مِن الباطل، والهُدَى مِن الضلال، {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ} (والطاغوت هو كل ما يَعبُدُه الناس - مِن دون اللهِ تعالى - بشرط أن يكون هذا الطاغوت راضيًا بعبادة الناس له، لأنّ عيسى عليه السلام لم يكن راضيًا بعبادة النصارى له) ، فمَن يَكفر بالطاغوت {وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} وحده ويُخلِص له العبادة {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} أي فقد ثَبتَ على الطريقةِ المُثلى، واستمسك بأقوى سبب من الدين، {لا انفِصَامَ لَهَا} : أي لا انقطاعَ لهذه الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
الآية 257: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} فهو سبحانه يَتولاهُم بنصره وتوفيقِهِ وحِفظِه، و {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور} أي مِن ظلمات الكُفر إلى نور الإيمانِ، ومِن ظلمات الجهل إلى نور العِلم، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} مِن شياطين الجن والإنس، فلما تَوَلَى الكفارُ هؤلاءَ الشياطين: سَلطَهم اللهُ عليهم عقوبةً لهم، فزَيَّنُوا لهم عبادة الأصنام، وحَسَّنُوا لهم الباطلَ والشرُور، وزَيَّنُوا لهم الكُفرَ والفسُوقَ والعِصْيَان، فكانوا بذلكَ {يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} أي مِن نور الإيمان إلى ظلمات الكُفر، ومِن نور العِلم إلى ظلمات الجهل {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .