الصفحة 74 من 90

? واعلم أنه لا يَجُوزُ للمُسلِم أن يُكَفّرَ أخاه المُسلم، طالما أنه ناطِقٌ بالشهادتين - حتى وإن فعلَ فِعلًا كُفريًّا يُخرجُهُ مِن المِلَّة - فقد يكون هذا الرجل (الذي يُتَّهَم بالكفر) مَعذورًا بجهلِه، ويَحتاجُ إلى عالمٍ - يثقُ هُوَ في عِلمِه - لِيُعَلمَهُ، ويُزيلَ عنه الشبُهَات، ويُقِيمَ عليه الحُجَّة.

? واعلم أنَّ الأدِلَّة - على أنَّ العُذر بالجهل قاعدة شرعية أصُولِيَّة، وأنه مِن صُلب هذا الدِين - كثيرة جدًّا، ولا يَتسِعُ هذا المُختَصَر لِذِكْرها، ولكننا نَذكرُ فقط قولَ الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} ، فقولُه تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} دليلٌ على أنَّ اللهَ تعالى قد جعلَ مَعرفة العبدِ بالهُدى، وإيضاحِهِ له، وإقامة الحُجَّة عليه: شرطًًا قبل أن يَذكرَ العقوبة، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في صحيح مُسلِم: (أيُّما امْرِئٍ قالَ لأَخيهِ: يا كافر، فقد باءَ - أي رجع - بها أَحدهما، إِنْ كانَ كما قالَ، وَإلاَّ رَجَعَتْ عليه) ، فالأمرُ خطير جدًّا، فإنَّ الكُفرَ يُسَببُ الخلودَ الأبديَّ في النار، فإذا كانَ هذا الرجلُ مَعذورًا بجهلِه: فإنَّ الكلمة سَتُرَد على قائلِها فيَضِيع؛ ولأنَّ هذا سوف يُؤدي بعدَ ذلك إلى استباحتِهِ لِدَمِهِ ومالِهِ، وغير ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مُسلم: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) .

الآية 258: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّه} أي جادَلَهُ في توحيد اللهِ تعالى، وما حَمَلهُ على ذلك إلا {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} فتجبَّر وسأل إبراهيمَ: مَن ربُّك؟ {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} يعني: ربي الذي يُحيي الخلائق فتَحيَا، ويَسلبُ منها الحياة فتموت، فهو سبحانه المُتفرد بالإحياء والإماتة، {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} أي أقتل مَن أردتُ قَتْلَه، وأستَبْقِي مَن أردتُ استبقاءَه، {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} : أي فتحيَّرَ وانقطعتْ حُجَّته، وأيَّد اللهُ وَلِيَّهُ إبراهيمَ فانتصرَ على عَدُوِّهِ بالحُجَّة القاطعة، (فهذا مثالٌ لِمَا ذكره اللهُ تعالى في الآيةِ السابقة مِن إخراجِهِ لأوليائِهِ من ظلمات الجهل إلى نور العلم) ، {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} إلى الحق والصواب.

الآية 259: {أَوْ كَالَّذِي} : يعني أو هل عَلِمتَ مَثَلَ الذي {مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ} أي فارغة مِن سُكانها، وقد تَهدَّمَتْ مَبانِيها وسقطتْ حِيطانُها وجُدرانها {عَلَى عُرُوشِهَا} : أي على سُقوفِ بيوتِها، فـ {قَالَ أَنَّى} : يعني كيفَ {يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} ؟ {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} يعني كم مَكَثتَ ميتًا؟ {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} {قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} ولكي تقتنع بما أخبرتُكَ به: {فانظر إلى طعامك وشرابك لَمْ يَتَسَنَّهْ} أي لم يتغيَّر طَعْمُهُ رغمَ مرور هذه السنين الطويلة، وذلك بحِفظِ اللهِ له، {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} كيفَ أحياهُ اللهُ بعدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت