الصفحة 75 من 90

أن كانَ عظامًا متفرقة، ثم قال له الربُّ تبارك وتعالى بعدَ أن أراهُ مَظاهرَ قدرتِه: فَعَلنا بك هذا لِنُريَكَ قدرتنا على إحياء القريةِ مَتَى أردنا إحياءَهَا {وَلِنَجْعَلَكَ} في قصتِكَ هذه {آيَةً لِلنَّاسِ} : أي دَلالة ظاهرة على قدرة اللهِ على البَعث بعدَ الموت، {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ} : أي إلى عِظام حِمارك {كَيْفَ نُنشِزُهَا} : أي كيفَ نرفعُ بعضها على بعض، ونَصِلُ بعضَها ببعض، {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} ، ثم نُعِيدُ فيها الحياة.

? وهنا قد يَقولُ قائل: إنَّ اللهَ تعالى لمَّا قال له: {بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} : كانَ مِن المُتَوَقَّعِ أن يَذكُرَ بعدهُ مُباشرةً ما يَدُلُّ على ذلك الزمن الطويل الذي مَكَثَه، فيَبدأ - مَثلًا - بأنْ يُريَهُ العِظام التي تَحَلَّلتْ، وأما أن يُريَهُ - أولًا - الطعامَ (الذي لم يَفسد) ، فإنه قد يُتَوَهَّم أنَّ هذا يَدُلُّ على ما قاله العبد مِن أنه مَكَثَ يومًا أو بعضَ يوم، والجواب: أنه كلما كانت الشُبْهة أقوى، كلما كانَ سَمَاعُ الدليل المُزِيل لتلك الشُبهة أكثر تأكيدًا وأكْمَل، ووقوعُهُ في القلب بعد ذلك أرْسَخ، فكأنَّ اللهَ سبحانهُ لمَّا أراهُ الطعامَ والشرابَ لم يتغير، ظنَّ العبدُ أنَّ هذا مِمَّا يُؤكدُ أنه مَكَثَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فحينئذٍ عَظُمَ اشتياقهُ إلى الدليل الذي سيَكشف عن هذه الشُبهة، ثم لمَّا أراهُ اللهُ سبحانه أنَّ الحمارَ قد صارَ عِظامًا بالية، عَظُمَ تَعَجُّبهُ مِن قدرة اللهِ تعالى؛ لأنه قد رأى الطعامَ الذي لا يستطيعُ البقاء: باقيًا، وكذلك رأى العظامَ التي تستطيعُ البقاء زمانًا طويلًا قبل أن تتحلل: غير باقية، فحينئذٍ تَمَكَّنَ وقوع هذه الحُجَّة في عقلِهِ وقلبه.

{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} : أي فلما اتضح له ذلك، ورآه بعينه، وظهرتْ له أنوارُ ولايةِ اللهِ في قلبه: {قَالَ أَعْلَمُ} أي أعترفُ {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، فهذا مثالٌ آخَر لِمَا ذكرَهُ اللهُ مِن إخراجه لأوليائه مِن ظلمات الكُفر إلى نور الإيمان.

الآية 260: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} : أي واذكُر حين سألَ إبراهيمُ رَبَّهُ أن يُريَهُ طريقة الإحياءِ كيف تتم، فـ {قَالَ} اللهُ تعالى له: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} بعد؟ {قَالَ بَلَى} أنا مؤمن، {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} : أي لأزدادَ يَقينًا على يَقيني، ولِكَي يَسْكُنَ قلبي ويهدأ من التطلع والتشوق إلى معرفة الكَيْفِيَّة، {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} : أي فاضْمُمْهُنَّ إليك واذبحْهُنَّ وقطعْهُنَّ {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} : أي ثم نَادِ عليهِنَّ يأتينَكَ مُسرعَات، {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

? ورغمَ أنه كان مِن المُتَوَقع - بعدَ أنْ أراهُ اللهُ تعالى هذه القدرة - أن يقول له: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ على كل شيءٍ قدير} ، ولكنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يُوَضحَ لإبراهيم عليه السلام أنه - سبحانه - لا يَهدي إلا مَن طلبَ منه الهداية بقلبٍ صادق، كما قال تعالى عن فِتيَة الكهف: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} فاللهُ تعالى أخبرَ أنهم لَمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت