الآية 270: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ} يعني أو ألزمتم أنفسكم بشيءٍ من مال أو غير ذلك {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُه} ؛ لأنه المُطَّلِع على نِيَّاتكم، وسوف يُثِيبكم على ذلك، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} : أي واعلموا أنّ مَن منع حقَّ الله فهو ظالم، والظالمون ليس لهم أنصارٌ يمنعونهم من عذاب الله.
? واعلم أن النذر ثلاثة أنواع: (النذر المشروط بشرط معين) ، كأن يقول العبد مثلًا: (إنْ شَفَى اللهُ فلانًا: فللهِ عَلَيَّ أن أصوم ثلاثة أيام) ، وهذا النوع مكروه؛ لأنه لا يَصدر إلا من البخيل الذي يَشترط على ربه، والنوع الثاني: هو (النذر المُطْلَق) أي بدون شرط أو مقابل؛ كأنْ يقول العبدُ مثلًا: (للهِ عليَّ أن أصوم ثلاثة أيام، أو للهِ عليَّ أن أقرأ نصف جزء من القرآن يوميًا، أو للهِ عليَّ ألاّ أفعل المعصية الفلانية أبدًا، أو لمدة أسبوع مثلًا) ، وذلك على سبيل إلزام النفس، وتربيتها، وترويضها على فِعل الطاعات واجتناب المعاصي، وهذا النوع هو قربة من أفضل القُرُبات، وأما النوع الثالث: فهو (النذر لغير الله تعالى) ، كالنذر للأولياء والصالحين وغير ذلك، وهذا شرك.
? واعلم أنّ الإنسانَ إذا نذرَ نذرًا جائزًا: (سواء كانَ نذرًا مُطلَقًا، أو كانَ نذرًا مَشروطًًا) فعليه أن يُوفِي بنذره، فإذا نقضَ نذرَهُ، فليَعلم أنَّ كفارة النذر هي نفسها كفارة اليمين، وأمّا نَذْرُ الشِّرك، فلا يَجوز للإنسان أن يَفعله ولا أن يُوفِي به.
الآية 271: {إِنْ تُبْدُوا} : يعني إن تُظهِروا {الصَّدَقَاتِ} أمام الناس، وكنتم تقصدون بها وَجْهَ اللهِ تعالى، وحَثّ الناس على الصدقة: {فَنِعِمَّا هِيَ} : أي فنِعْمَ تلك الصدقة التي أظهرتموها لِيَقتدي الناس بكم، فيتصدقوا مثلكم، فيكون ذلك في مصلحة الفقير، {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي أفضل لكم من الإنفاق أمام الناس؛ لأن ذلك سيكون أبعد لكم عن الرياء، {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} : أي وبسبب الصدقة - مع الإخلاص - يَمحو الله مِن ذنوبكم، ويُلاحَظ أنه تعالى لم يقل: (ويكفر عنكم سيئاتكم) ؛ لأنّ حقوق العباد لا تكَفِّرها الصدقة، إلا إذا وهب المتصدق ثواب الصدقة لهم (بنية أن يَرُدّ بذلك حقوقهم) ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يعلم دقائق الأمور.