لأن نور الهداية والرشاد من الله سبحانه وتعالى يمنُّ به على من
يشاء من عباده، قال تعالى:"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور" [الشورى: 51 - 53] . جاء في الظلال أنه: ليس أدق ولا أصدق ولا أدل على طبيعة هذا الكتاب - القرآن - وعلى طبيعة هذا المنهج - الإسلام - من أنه"نور". إنها حقيقة يجدها المؤمن في قلبه
وفي كيانه وفي حياته، وفي رؤيته وتقديره للأشياء والأحداث والأشخاص، يجدها بمجرد أن يجد حقيقة الإيمان في قلبه."نور"نور تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف، ويشرق به كل شيء أمامه، فيتضح ويتكشف ويستقيم؛ ثقلة الطين في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم،
وعرامة الشهوة والنزوة، كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى .. تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة، واللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى، يتضح الهدف، ويستقيم الطريق إليه، وتستقيم النفس على الطريق."نور وكتاب مبين". وصفان للشيء الواحد، لهذا الذي جاء به الرسول الكريم. في ظلال القرآن، 2/ 336. ويقول الشيخ عطية صقر ردًّا على سؤال في هذا الموضوع: إن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يُخلق من نور، فهو من ذرية آدم، وآدم من طين، وهو القائل:
"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر". والله - سبحانه
-أمره أن يُبيِّن للناس ذلك فقال:"قل إنما أنا"
بشر مثلكم" [الكهف: 110] . وقال:"سبحان ربى هل كنت إلا بشرًا رسولًا" [الإسراء: 93] . وكون اللَّه تعالى أخبر عنه بأنه نور، وكون بعض الآثار جاءت تخبر بأن نوره كان موجودًا قبل أن يُولد،"
كل ذلك لا ينفى أنه بشر، وهو - عليه الصلاة والسلام - ليس في حاجة إلى اختلاق أمور تزيده شرفًا وتكريمًا، فكفى تشريف اللَّه تعالى له فيما ثبت من الأخبار. وقد تحمِلُنا شدة حبه على وضعه فوق ما يستحق، وهو القائل كما رواه البخارى:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله". وبرهان حبنا له جاء في قوله:"من أحبني فَليَسْتَنَّ بسنتي". فتاوى الأزهر، المفتي الشيخ عطية صقر. وجماع الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله بفضائل جمة، كلها تنبئ بمقامه عند ربه، ولو كان من خصائصه صلى
الله عليه وسلم أنه مخلوق من نور، أو هو نور بالمعنى الحسي، صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم، ولكن لم يرد ذلك، ولم يكتم النبي صلى الله عليه
وسلم أمرًا يسمو به على سائر الأنبياء والمرسلين، فضلًا عن كونه معجزة. وليس معنى ذلك
أننا نجرد الرسول من خاصية يكمل بها فضله، فالله سبحانه وتعالى هو الأعلم بقدر نبيه، ويعلم ما يرفعه ويسمو به، ولو كانت هذه الخاصية من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم لذكرها الله في كتابه، حتى ولو في معرض الامتنان على نبيه، ولكن الحق - جل وعلا - حين امتنَّ على نبيه، وصفه بأحب الأوصاف، التي هي في الحقيقة