قال: فسألته عن مجلسه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه بنصيبهم، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، مَنْ حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرد إلا بها أو بميسور من القول، قد وَسِع الناس منه بسطته وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا في الحق عنده سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا
ولا تؤبن فيه الحرم، لا لا تقذف وترمى بعيب. ومنه حديث الإفك:"أشيروا عليَّ في أناس أبَنُوا أهلي" [متفق عليه] . أَبْنَوا: عابوهم واتهموهم. والحرَم: جمع حرمة وهي المرأة، وما يلزم الإنسان حفظه وصونه. ولا تنثى فلتاتُهُ لا تُنْثى فلتاته، أي: لا يتحدث عن مجلسه بهفوة أو زلة، إن حدثت فيه من بعض القوم. يقال: نَثَوت الحديثَ أنثوه نثْوًا: إذا أذعته. الفلتات: جمع فلتة، وهي ههنا الزلة والسَّقْطة. وقيل: معناه أنه لم يكن فيه فلتات فتُنْثَى. متعادِلِين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون
ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البِشْر، البِشْر: طلاقة الوجه وبشاشته. سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظٍّ، ولا غليظ ولا صخَّاب، الصَّخَّاب: فعَّال من الصَّخَب، وهو الضجة، واضطراب الأصوات والخصام، ويُروَى بالسين والصاد على الإبدال. ولا ولا عيَّاب الفحَّاش والعيَّاب: على وزن فعَّال في القول، وعيب الناس، والوقيعة فيهم. ولا مدَّاح، متغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه، ولا يخيب فيه، قوله:"ولا يؤيس منه، ولا يخيب فيه"كذا عند الطبراني في الكبير وابن الجوزي في صفة الصفوة وأبي نعيم في معرفة الصحابة، وورد عند الترمذي في الشمائل
والصنعاني في سبل الهدى والرشاد:"لا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه"بمعنى أن من يطلب المصطفى لحاجته ويرجوه لها لا ولا يتوقع منه أن يخيب ظنه فيه. والله أعلم. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار ومما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا أحدًا ولا يعيِّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، الإطراق: خفض الرأس، وإدامة النظر إلى الأرض بين يديه. كأنما على رؤوسهم الطير: يصفهم بالسكون والثبات في المجلس؛ لأن الطير لا تسقط إلا على ساكن. فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، مَن تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوَّلِيَّتهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون في منطقه ومسألته، حتى إذا كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرشدوه. ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، لا يقبل الثناء إلا من مكافئ: يريد أنه كان إذا ابتدئ بثناء ومدح كره ذلك، وإذا اصطنع معروفًا فأثنى عليه مثنٍ وشكر له قبل ثناءه. وأنكر ابن الأنباري هذا التأويل، وقال: المعنى أنه لا يقبل الثناء عليه ممن لا يعرف حقيقة إسلامه، ولا يكون من المنافقين الذين يقولون بألسنتهم