قال الحسن رضي الله عنه: فكتمتها الحسين زمانًا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه - يعني سيدنا عليًّا رضي الله عنه - عن مدخله ومجلسه ومخرجه وشكله، الشَّكْل: بفتح الشين، وهو السيرة والطريقة. فلم يدع منه شيئًا. قال الحسين رضي الله عنه: سألت أبي عن دخول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان دخوله لنفسه مأذونًا له في ذلك، فكان إذا أوى أوى: رجع. إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزَّأ: قسَّم. جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، والجزء المختص بالله تعالى: هو اشتغاله بعبادته ومناجاته في ليله ونهاره. والجزء المختص بأهله: هو الوقت الذي يصحبهم ويعاشرهم فيه. والجزء المختص لا يتعبد فيه ولا يعاشر أهله. ثم جزَّأ جزءه بينه وبين الناس، أي: قسمه قسمين بينه وبين الناس. فيرد ذلك على العامة بالخاصة، فيرد ذلك على العامة بالخاصة: أراد أن العامة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت، فكانت الخاصة تُخْبر العامة بما سمعت منه، فكأنه أوصل الفوائد إلى العامة بالخاصة. وقيل: إن"الباء"في الخاصة بمعنى"من"، أي: يجعل وقت العامة بعد وقت ولا يدخر عنهم شيئًا. وذكر مجلسه فقال: مجلس حلم وحياء، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم فيما أصلحهم والأمة عن شيء من مساءلتهم عنه، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، يقول ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة مَن لا يستطيع إبلاغي حاجته، وإنه من أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه، ثبَّت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره يدخلون عليه روَّادًا، الرواد: جمع
رائد، وهو الذي يتقدم القوم يكشف لهم حال الماء والمرعى قبل وصولهم. ولا يفترقون إلا عن ذواق، لا يفترقون إلا عن ذَواق: ضرب الذواق مثلًا لما ينالون عنده من الخير. أي: لا يتفرقون إلا عن علم يتعلمونه، يقوم لهم مقام الطعام والشراب؛ لأنه يحفظ الأرواح كما
يحفظ الطعام الأجسام. ويخرجون من عنده أدلة. ويخرجون أدلة: جمع دليل، أي: يدلون الناس بما قد علموه منه وعرفوه. يريد أنهم يخرجون من عنده فقهاء. ويُروى بالذال المعجمة، جمع ذليل. يريد به: يخرجون من يُغْنِ متواضعين متعظين بما سمعوا، من قوله تعالى:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين" [المائدة: 54] . قال: فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم، ولا يفرقهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره، ولا خلقه، يتفقد أصحابه، ويسأل في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجوزه الذين يلونه من الناس، خيارهم خيارهم: أفضلهم
عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.