صلى الله عليه وسلم وشخصه، فكان له وصف دقيق للنبي صلى الله عليه وسلم، أو إن شئت قلت: لقطة لصورته وحاله، فهذا يلتقط صورة له على حالة معينة وفي وقت معين،
وهذا يلتقط له أخرى في حالة أخرى ووقت آخر، وثالث .. ورابع .. فيصف كل واحد منهم تلك اللقطة على تلك الحالة في ذلك الوقت .. وهكذا تتعدد اللقطات والمشاهد، وليس هناك تباين في جوهرها. أما الاختلاف الظاهري الطفيف بين هذه اللقطات، فيرجع إلى اختلاف الحالات والأوقات وتعددها، إلا أن هناك قاسمًا مشتركًا تلتقي فيه كل هذه اللقطات جميعها، ومن هنا، يمكن الجمع بين اختلاف الروايات، التي يبدو من ظاهرها التعارض، بيد أن هذا التعارض لا يلبث أن يزول إذا خرجت من هذا المخرج، ومثل في الروايات
المتعارضة ظاهرًا، في طول شعره، وصفة حاجبيه، وأنفه صلى الله عليه وسلم. يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:"رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عند ربه بالمكان الذي نعرفه له، وهو عند المؤمنين به بالمكان الذي يرضى الله عن وجوده في نفوس من آمن به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يتكلم المنصفون عن صفاته الخَلْقية، إنما يتكلمون عن صدى الله عليه وسلم"
استمالة كانت قيد الناظر إليه؛ أي إن الناظر إليه كان يقيده كل حسن فيه، وما ذلك إلا لأن الطاقة الحُبِّيَّة والطاقة القلبية لا تجعلان لناظر إلى رسول الله عن استدامة النظر إليه، والنظر إليه يعطي إشعاعات اليقين، ويعطي إشعاعات الإيمان، والدليل على ذلك أن مَن رآه صلى الله عليه وسلم كان صحابيًّا، ومعنى ذلك أن للرؤية الذاتية تأثيرًا في كيان المؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون الواصفين له يدققون الوصف له في أدق الأشياء، يدل على أنهم لم يَفُتْهُم شيء من صفاته صلى الله عليه وسلم، وإن اختلف الواصفون في شيء فإنما هو اختلاف اللقطات، أو اختلاف التعبير عن اللقطات. فآلات التصوير على سبيل المثال - حينما تصوِّر إنسانًا، فعلى قدرة جودة الآلة، وعلى قدر قدرة ومهارة مَن يستعمل هذه الآلة تخرج الصورة طبق الأصل، لكن الواصفين على كل حال يلتقون على أشياء، هذه الأشياء تميزه صلى الله عليه وسلم ببنية كاملة متكاملة، بحيث يكون للقلب منه غذاء، وللعين منه غذاء، وللأذن منه غذاء". محمد متولي الشعراوي، الشمائل المحمدية، ص 3. الأمر الثاني: والأمر الثاني الذي نريد أن نشير إليه، هو أن البشر متفاوتون من ناحية الجمال والكمال، أقصد جمال الصورة وحسنها، وكمال الأخلاق وتمامها، فهناك من حُبِيَ الصورة الحسنة والمنظر الوسيم، بيد أنه لا خلاق له من سمو الخلق، وعلو الشيم، وهناك من قلَّت مسحة جماله، ونقص حظه من روعة المنظر وحسن الصورة، إلا أن ذلك أخفاه كرمُ الشمائل ونبلُ الطباع، وهناك مَن لا"
نصيب له
في هذا ولا ذاك، وآخر هذه القسمة الإلهية الحكيمة مَن حسُن منظره، وخلص جوهره، واتسق خَلقه، وكمل خُلقه، فهذا قد جلس على عرش الجمال والكمال، ولبس تاج الجلال، وهذا الصنف الأخير لا يمثله بين البشر