الصفحة 9 من 128

ولقد أصابت أم معبد وأجادت؛ أصابت من جهة فصاحتها، كغيرها من لدَّاتها اللاتي جمعن أدوات البيان والتبيان، وأجادت من جهة لمسها الصفات الخَلقية للنبي صلى الله عليه وسلم من أول وهلة رأته فيها، فكأنها أمسكت بين يديها آلة تصوير والتقطت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقطة حية، ووصفته لزوجها من خلالها. وإني لأعجب لتلك المرأة التي لم يلبث الرسول صلى الله عليه وسلم عندها إلا يسيرًا، كيف استطاعت في هذا الوقت اليسير أن تلمَّ بعناصر الصورة الشريفة ومكوناتها، فتخرج

وصفًا دقيقًا، ينطبق على الموصوف انطباق الصورة الضوئية على صاحبها؟! ولعل هذه الدقة تُعزى إلى جودة الآلة التي استعملتها أم معبد، وهي آلة كان العرب لا يُبارون فيها؛ وهي الفصاحة والبلاغة في فن الوصف، حتى إن بعضهم - ومنهم أم معبد، وهند بن أبي صلى الله عليه وسلم - كانوا معروفين بكمال وصفهم ودقة

نعتهم. وأمر آخر يمكن أن يُعزى إليه إجادة صلى الله عليه وسلم، وهو أنه صلى الله عليه وسلم عندما كان يقف أصحابه بين يديه أو يتحدثون إليه، لا يلبث النور المحمدي يفيض، فيعم الأرجاء ويمحو من نفوسهم الظلام الدامس، فتنطبع في قلوبهم صورته الشريفة، لا تفارق عيونهم، ولا تبرح خيالهم، فيتمثلونها في كل وقت وحين، عندما يغيب صلى الله عليه وسلم عنهم، أو يغيبون عنه. كما أن شعاع صورته البهية إذا طالعته عين مَن يجلس إليه لأول مرة، تجده تنزل في مخيلة جليسه منزلة سامية، تلحُّ على عقله

وقلبه عندما تتفارق الأبدان، فيستحضر صورته ويتمثل هيئته، وكأنه رآه منذ زمن الله عليه وسلم، فوصفه يقع في النفس موقع قطرات الماء الفرات عندما يصادف النفوس الظمأى، ستجد الصفات كلها صفات مَن بلغ منزلة سامقة في الجمال والجلال، لا تضارعها منزلة، ولا يسمو إليها أحد من البشر، وهي كلها تدور في فلك بشري لا تدور معها صفات أحد من البشر؛ لأنها بلغت درجة الكمال البشري. يُروى أن النبي

صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه ومولاه عامر بن فهيرة، ودليلهم الليثي عبد الله بن أريقط خرجوا من على خيمة امرأة عجوز تسمى أم معبد، وكانت برزة جلدة، جلدة: صلبة. تحتبي الاحْتبَاء: هو

أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها, وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب. بفناء القبة، القبة: الخيمة الصغيرة أعلاها مستدير, أو البناء المستدير المقوس المجوف. ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئًا، وكان القوم مرمِلِين مرمِلِين: نفد زادهم. مسنتين مسنتين: داخلين في السَّنَة؛ وهي الجدب والمجاعة.

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال:"ما هذه الشاة يا أم معبد؟". قالت: شاة خلَّفها الجهد عن الغنم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل بها من لبن؟". قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أن أحلبها؟". قالت: بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسح بيده ضرعها، الضرع في البهائم وذوات الخف كالثدي في المرأة. وسمَّى ثم دعا لأم معبد في شاتها،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت