فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 274

الْوَاحِدِيُّ حِكَايَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ الْكَافِرِ وَطَاعَتِهِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ الْمُطِيعِ وَمَعْصِيَتِهِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ أَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَالْقُلُوبُ بِيَدِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، فَإِذَا أَرَادَ الْكَافِرُ أَنْ يُؤْمِنَ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ إِيمَانَهُ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَكْفُرَ وَاللَّهُ لَا يُرِيدُ كُفْرَهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ.

قُلْتُ: وَقَدْ دَلَّلْنَا بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ الْقَلْبِيَّةَ إِمَّا الْعَقَائِدَ وَإِمَّا الْإِرَادَاتِ وَالدَّوَاعِيَ. أَمَّا الْعَقَائِدُ: فَهِيَ إِمَّا الْعِلْمُ، وَإِمَّا الْجَهْلُ. أَمَّا الْعِلْمُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقْصِدَ الْفَاعِلُ إِلَى تَحْصِيلِهِ إِلَّا إِذَا عَلِمَ كَوْنَهُ عِلْمًا، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا عَلِمَ كَوْنَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا سَبَقَ عِلْمُهُ بِالْمَعْلُومِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْجَهْلُ فَالْإِنْسَانُ الْبَتَّةَ لَا يَخْتَارُهُ وَلَا يُرِيدُهُ إِلَّا إِذَا ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ عِلْمٌ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا الظَّنُّ إِلَّا بِسَبْقِ جَهْلٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَيْضًا يُوجِبُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ

وَأَمَّا الدَّوَاعِي وَالْإِرَادَاتُ فَحُصُولُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ بِفَاعِلٍ يَلْزَمُ الْحُدُوثُ لَا عَنْ مُحْدِثٍ، وَإِنْ كَانَ بِفَاعِلٍ فَذَلِكَ الْفَاعِلُ إِمَّا الْعَبْدُ وَإِمَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَزِمَ تَوَقُّفُ ذَلِكَ الْقَصْدِ عَلَى قَصْدٍ آخَرَ وَهُوَ مُحَالٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْإِرَادَاتِ وَالدَّوَاعِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَنَصُّ الْقُرْآنِ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ الْقُلُوبِ مِنَ اللَّهِ، وَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرْنَاهُ. أَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْقَدَرِ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَا ذَكَرْتُمْ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْجُبَّائِيُّ: إِنَّ مَنْ حَالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ فَهُوَ عَاجِزٌ، وَأَمْرُ الْعَاجِزِ سَفَهٌ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَأْمُرَنَا اللَّهُ بِصُعُودِ السَّمَاءِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الزَّمِنَ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ قَائِمًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت