فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 313

أبو سفيان يفر بالقافلة:-

وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حذرًا متيقظًا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيره حتى لقى مجدي بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال: ما رأيت أحدًا أنكره إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة [1] .

هم الجيش المكي بالرجوع، ووقوع الانشقاق فيه:-

ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلًا: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا.

ولكن على رغم أبي جهل - أشار الأخنش بن شريق بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زهرة - وكان حليفًا لهم، ورئيسًا عليهم في هذا النفير - فلم يشهد بدرًا زهري واحد، وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل، واغتبطت بنو زهرة بعد برأى الأخنس بن شريق، فلم يزل فيهم مطاعًا عظيمًا.

وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل، وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.

فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة - وهو يقصد بدرًا - فواصل سيره حتى نزل قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر.

عيون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:-

وفي مساء ذلك اليوم بعث استخباراته من جديد، ليبحث عن أخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين، علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان - لا تزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة - فضربوهما ضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان أن يقولا: نحن لأبي سفيان فتكوهما.

ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة قال لهم: (( إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش ) ).

ثم خاطب الغلامين قائلًا: (( أخبراني عن قريش ) )قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: (( كم القوة؟ ) )قالا كثير. قال: ما عدتهم؟ قالا: لا ندري، قال: (( كم ينحرون كل يوم؟ ) )قالا: يومًا تسعا ويمًا

(1) (الرحيق المختوم ص 227) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت