فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف.
جاء النعمان ابن فنحص اليهودي فوقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الناس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( زيد بن حارثة أمير الناس فان قتل زيد فجعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة فان قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم ) )فقال النعمان أبا القاسم إن كنت نبيا فلو سميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا أجمعيا ان الانبياء في بني اسرائيل كانوا اذا سموا الرجل على القوم فقالوا ان أصيب فلان ففلان فلو سموا مائة أصيبوا جميعا ثم جعل يقول لزيد اعهد فانك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا فقال زيد أشهد أنه نبي صادق بار.
فلما حضر خروجهم ودع الناس امراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلموا عليهم فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى فقالوا ما يبكيك يا ابن رواحة فقال أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [1] فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون صحبكم الله ودفع عنكم وردكم الينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال اذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا
ثم إنه ودع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:
فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة ... والله يعلم أن ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر [2]
ثم خرج القوم حتى نزلوا معان فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة فأقاموا بمعان يومين وقالوا: نبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبره.
فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم لها تطلبون الشهادة. ولا نقاتل الناس بعدد ولا كثرة وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فإن يظهرنا الله به فربما فعل وإن تكن الأخرى فهي الشهادة وليست بشر المنزلتين.
فقال الناس: والله لقد صدق فانشمر الناس وهم ثلاثة آلاف حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة قرية فوق الحساء. وكانوا ثلاثة آلاف.
فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها
(1) (مريم: 71) .
(2) (قال الهيثمي في المجمع 6/ 231 رواه الطبراني ورجاله ثقات إلى عروة) .