فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 313

فيشترى لهما من برها وثمرها وذرتها فوجدوهما في ناس من الأنصار والمهاجرين في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد علينا سلامنا وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما أنعود؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟

فقال علي لعثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يأتوا إليه ففعل الوفد ذلك فوضعوا حللهم وخواتيمهم ثم عادوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه فرد سلامهم ثم سألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى عليه السلام؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى فيسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ما عندي فيه شئ يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى عليه السلام ) ).

فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [1]

فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له وفاطمة رضي الله عنها تمشي عند ظهره للمباهلة وله يومئذ عدة نسوة.

فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا مقبلا وأرى والله إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإنا أدنى العرب منهم جوارا وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك فقال له صاحباه: فما الرأي فقد وضعتك الأمور على ذراع فهات رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإنى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا له: أنت وذاك فلقي شرحبيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال: وما هو؟ قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لعل وراءك أحدا يثرب عليك ) ).

فقال له شرحبيل: سل صاحبي فسألهما فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كافر ) )أو قال: (( جاحد موفق ) ).

فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلاعنهم [2] .

(1) (آل عمران: 59 - 61) .

(2) (زاد المعاد: 3/ 549) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت