، فَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا النَّصُّ بِلَفْظِهِ تَنَاوَلَهَا بِعِلَّتِهِ بِالْأَوْلَى. وَفِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عِبْرَةٌ لِوُكَلَاءِ الدَّعَاوَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ بِالْمُحَامِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقْبَلَ الْوَكَالَةَ فِي دَعْوَى يَعْتَقِدُ أَنَّ صَاحِبَهَا مُبْطِلٌ، وَلَا أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي مُحَاوَلَةِ إِثْبَاتِهَا إِذَا ظَهَرَ لَهُ بُطْلَانُهَا فِي أَثْنَاءِ التَّقَاضِي. وَإِنَّنَا نَرَاهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى خَلَابَتِهِمْ فِي الْقَوْلِ وَلَحْنِهِمْ فِي الْخِطَابِ (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (2: 269) .
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْإِدْلَاءَ بِمَعْنَى الْإِلْقَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الْأَصْلِ إِلْقَاءُ الدَّلْوِ، وَاخْتِيرَ هَذَا التَّعْبِيرُ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الرَّوِيَّةِ، هَذَا مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَفِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ: إِلْقَاءُ الدَّلْوِ يُرَادُ بِهِ إِخْرَاجُ الْمَاءِ، وَإِلْقَاءُ الْمَالِ إِلَى الْحُكَّامِ يُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ لِلْمُلْقِي، وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ بَعِيدًا. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (بِهَا) قِيلَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْوَالِ وَالْمَعْنَى لَا تُلْقُوهَا إِلَيْهِمْ بِالرِّشْوَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ الرِّشْوَةَ رِشَاءُ الْحَكَمِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ وَلَا تُلْقُوا بِحُكُومَةِ الْأَمْوَالِ إِلَى الْحُكَّامِ، وَالْفَرِيقُ مِنَ الشَّيْءِ: الْجُمْلَةُ وَالطَّائِفَةُ مِنْهُ، وَالْإِثْمُ: فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَشْوَعَ الْحَضْرَمِيَّ وَامْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ عَابِسٍ اخْتَصَمَا فِي أَرْضٍ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَحْلِفَ امْرُؤُ الْقَيْسِ، فَهَمَّ بِهِ، فَنَزَلَتْ ) )وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: (تَعْلَمُونَ) مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ، وَهُوَ احْتِرَاسٌ عَمَّنْ يَأْكُلُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ حَقُّهُ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ وَفُرُوعٌ لَا تُحْصَى، ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ مِثْلَ مَا إِذَا عَلِمَ زَيْدٌ أَنَّ أَبَاهُ أَوْدَعَ لَهُ وَدِيعَةَ كَذَا عِنْدَ فُلَانٍ الَّذِي مَاتَ فَطَالَبَ وَلَدَ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا يَعْتَقِدُ أَنَّ أَبَاهُ تَرَكَهُ تُرَاثًا فَمَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْهُمَا لَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَكَلَهُ بِالْإِثْمِ.
وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ مِصْرَ، مِنْ كَثْرَةِ التَّقَاضِي وَالْخِصَامِ، وَالْإِدْلَاءِ إِلَى الْحُكَّامِ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا