أَيِ الْأَمْنُ، يُرِيدُ أَنَّ الْأَرْضَ تَمْتَلِئُ بِالْأَمْنِ فَلَا يَخَافُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ. وَفِي الْحَدِيثِ: النُّجُومُ أَمَنَةُ السَّمَاءَ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى الْأُمَّةَ مَا تُوعَدُ ; أَرَادَ بِوَعْدِ السَّمَاءِ انْشِقَاقَهَا وَذَهَابَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَذَهَابُ النُّجُومِ: تَكْوِيرُهَا وَانْكِدَارُهَا وَإِعْدَامُهَا، وَأَرَادَ بَوَعْدِ أَصْحَابِهِ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ، وَكَذَلِكَ أَرَادَ بِوَعْدِ الْأُمَّةِ، وَالْإِشَارَةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى مَجِيءِ الشَّرِّ عِنْدَ ذَهَابِ أَهْلِ الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ كَانَ يُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَالَتِ الْآرَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ، فَكَانَ الصَّحَابَةُ يُسْنِدُونَ الْأَمْرَ إِلَى الرَّسُولِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ، فَلَمَّا فُقِدَ قَلَّتِ الْأَنْوَارُ وَقَوِيَتِ الظُّلَمُ، وَكَذَلِكَ حَالُ السَّمَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ النُّجُومِ ; قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَالْأَمَنَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمْعُ أَمِينٍ، وَهُوَ الْحَافِظُ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا; قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَرَادَ ذَا أَمْنٍ فَهُوَ آمِنٌ وَأَمِنٌ وَأَمِينٌ ; عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَرَجُلٌ أَمِنٌ وَأَمِينٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، أَيِ الْآمِنِ يَعْنِي مَكَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْأَمْنِ، وَقَوْلُهُ:
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أَسْمَ وَيَحْكِ أَنَّنِي حَلَفْتُ يَمِينًا لَا أَخُونُ يَمِينِي
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّمَا يُرِيدُ آمِنِي. ابْنُ السِّكِّيتِ: وَالْأَمِينُ الْمُؤْتَمِنُ. وَالْأَمِينُ: الْمُؤْتَمَنُ، مِنَ الْأَضْدَادِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ اللَّيْثِ أَيْضًا: لَا أَخُونُ يَمِينِي أَيِ الَّذِي يَأْتَمِنُنِي الْجَوْهَرِيُّ:، وَقَدْ يُقَالُ الْأَمِينُ الْمَأْمُونُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا أَخُونُ أَمِينِي أَيْ مَأْمُونِي. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، أَيْ قَدْ أَمِنُوا فِيهِ الْغِيَرَ. وَأَنْتَ فِي آمِنٍ أَيْ فِي أَمْنٍ كَالْفَاتِحِ. وَقَالَ أَبُو زِيَادٍ: أَنْتَ فِي أَمْنٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْ فِي أَمَانٍ، وَرَجُلٌ أُمَنَةٌ: يَأَمَنُ كُلَّ أَحَدٍ، وَقِيلَ: يَأْمَنُهُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ غَائِلَتَهُ ; وَأُمَنَةٌ أَيْضًا: مَوْثُوقٌ بِهِ مَأْمُونٌ، وَكَانَ قِيَاسُهُ أُمْنَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ