"قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ فِي رِوَايَةٍ: (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْخَاطِئُ بِالْهَمْزِ هُوَ الْعَاصِي الْآثِمُ."
وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: الِاحْتِكَارُ الْمُحَرَّمُ هُوَ الِاحْتِكَارُ فِي الْأَقْوَاتِ خَاصَّةً، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ لِلتِّجَارَةِ، وَلَا يَبِيعُهُ فِي الْحَالِ، بَلْ يَدَّخِرُهُ لِيَغْلُوَ ثَمَنُهُ، فَأَمَّا إِذَا جَاءَ مِنْ قَرْيَتِهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ فِي وَقْتِ الرُّخْصِ وَادَّخَرَهُ، أَوِ ابْتَاعَهُ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ لِحَاجَتِهِ إِلَى أَكْلِهِ، أَوِ ابْتَاعَهُ لِيَبِيعَهُ فِي وَقْتِهِ، فَلَيْسَ بِاحْتِكَارٍ وَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْأَقْوَاتِ فَلَا يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ فِيهِ بِكُلِّ حَالٍ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ، كَمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ إِنْسَانٍ طَعَامٌ، وَاضْطُرَّ النَّاسُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَعْمَرٍ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا كَانَا يَحْتَكِرَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَآخَرُونَ: إِنَّمَا كَانَا يَحْتَكِرَانِ الزَّيْتَ، وَحَمَلَا الْحَدِيثَ عَلَى احْتِكَارِ الْقُوتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَالْغَلَاءِ، وَكَذَا حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَهُوَ صَحِيحٌ" [1] ."
(1) شرح النووي على مسلم» الحديث رقم 1605» الحاشية رقم 1