قَوْلُ أَبِي الوَلِيدِ مُحَمَّدٍ بِن أَحْمَدٍ بِن مُحَمَّدٍ بِن رُشْدٍ القُرْطُبِيِّ فِي الفِقْهِ المُقَارَنِ
"اشْتِرَاطُ النِّصَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْقَطْعُ فِي قَلِيلِ الْمَسْرُوقِ وَكَثِيرِهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) الْآيَةَ. وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ:"لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ". وَبِهِ قَالَتِ الْخَوَارِجُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ."
وَالَّذِينَ قَالُوا بِاشْتِرَاطِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَشْهُورَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى أَدِلَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَهُوَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: قَوْلُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ.
وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْحِجَازِ فَأَوْجَبُوا الْقَطْعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَرُبُعِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تُقَوَّمُ بِهِ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمَسْرُوقَةِ مِمَّا عَدَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ: تُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِالرُّبُعِ دِينَارٍ (أَعْنِي: إِذَا اخْتَلَفَتِ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَعَ الرُّبُعِ دِينَارٍ لِاخْتِلَافِ الصَّرْفِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الرُّبُعُ دِينَارٍ فِي وَقْتٍ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الرُّبُعُ دِينَارٍ، وَهُوَ الْأَصْلُ أَيْضًا لِلدَّرَاهِمِ فَلَا يُقْطَعُ عِنْدَهُ فِي الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ إِلَّا أَنْ تُسَاوِيَ رُبُعَ دِينَارٍ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي تَقْوِيمِ الْعُرُوضِ إِلَى الْغَالِبِ فِي نُقُودِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الدَّرَاهِمَ قُوِّمَتْ بِالدَّرَاهِمِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الدَّنَانِيرَ قُوِّمَتْ بِالرُّبُعِ دِينَارٍ، وَأَظُنُّ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الرُّبُعَ دِينَارٍ يُقَوَّمُ بِالثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْوِيمِ قَالَ