وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ وَمَعْنَاهُ لَا تَجْمَعُوا اللَّبَنَ فِي ضَرْعِهَا عِنْدَ إِرَادَةِ بَيْعِهَا حَتَّى يَعْظُمَ ضَرْعُهَا فَيَظُنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ كَثْرَةَ لَبَنِهَا عَادَةٌ لَهَا مُسْتَمِرَّةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ وَصَرَّى الْمَاءَ فِي ظَهْرِهِ أَيْ حَبَسَهُ فَلَمْ يَتَزَوَّجْ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ (الْمُصَرَّاةِ) وَفِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّصْرِيَةُ أَنْ يَرْبِطَ أَخْلَافَ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ وَيَتْرُكَ حَلْبَهَا الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَجْمَعَ لَبَنَهَا، فَيَزِيدَ مُشْتَرِيهَا فِي ثَمَنِهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ لِظَنِّهِ أَنَّهُ عَادَةٌ لَهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مِنْ صَرَّى اللَّبَنَ فِي ضَرْعِهَا أَيْ حَقَنَهُ فِيهِ وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الرَّبْطِ لَكَانَتْ مَصْرُورَةً أَوْ مُصَرَّرَةً. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ حَسَنٌ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ. قَالَ: وَالْعَرَبُ تَصُرُّ ضُرُوعَ الْمَحْلُوبَاتِ. وَاسْتَدَلَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: لَا يُحْسِنُ الْكَرَّ. إِنَّمَا يُحْسِنُ الْحَلْبَ وَالصَّرَّ. وَبِقَوْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي: هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَصْلَ الْمُصَرَّاةِ مَصْرُورَةٌ وَأُبْدِلَتْ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ أَلِفًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: خَابَ مَنْ دَسَّاهَا أَيْ دَسَّسَهَا كَرِهُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مِنْ جِنْسٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّصْرِيَةَ حَرَامٌ سَوَاءٌ تَصْرِيَةُ النَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ وَالْجَارِيَةِ وَالْفَرَسِ وَالْأَتَانِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ غِشٌّ وَخِدَاعٌ، وَبَيْعُهَا صَحِيحٌ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي إِمْسَاكِهَا وَرَدِّهَا. وَسَنُوَضِّحُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّدْلِيسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ ذَلِكَ يَنْعَقِدُ وَأَنَّ التَّدْلِيسَ بِالْفِعْلِ حَرَامٌ كَالتَّدْلِيسِ بِالْقَوْلِ" [1] ."
(1) شرح النووي على صحيح مسلم» كتاب البيوع ... » باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه وتحريم النجش وتحريم التصرية» مسألة رقم 1412» الحاشية رقم 1