فِي بَيَانِ أَنَّ الأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْقَرِينَةِ: فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ وَهُوَ الْمَطلُوبُ. أَوْ عَلَى مَجَازِهِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ مَجَازًا: أَلَّا يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَيهِ إلا لِقَرِينَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؛ لأَنَّ الْوَاضِعَ لَوْ أَمَرَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيهِ -عِنْدَ تَجَرُّدِهِ- عَلى ذَلِكَ المَعْنَى، لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِيهِ؛ إذ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إلا ذَلِكَ. أَوْ عَلَيهِمَا، مَعًا؛ وَهُوَ -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْوَاضِعَ لَوْ قَال:"احْمِلُوا هَذَا اللَّفْظَ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَلَيهِمَا مَعًا"-لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ قَال:"احْمِلُوهُ: إِمَّا عَلَى هَذَا أَوْ عَلَى ذَاكَ"- لَكَانَ ذَلِكَ مُشتَرَكًا بَينَهُمَا، أَوْ لَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْبتَّةَ؛ وَحِيَنئِذٍ: يَصِيرُ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ: مِنَ المُهْمَلَاتِ لَا مِنَ المُسْتَعْمَلَاتِ.
فَلَمَّا بَطَلَت هَذِهِ الأَقْسَامُ تَعَيَّنَ القِسْمُ الأَوَّلُ؛ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَقَطْ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الحَقُّ.
وأُجِيبَ عن الأَوَّل بأَنَّ فائدته البيان الإِجماليُّ، وهو مقصُودٌ فِي بعْضِ الأحوالِ؛ كقول أبي بكرِ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - لَمَّا سُئِلَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقيل له: مَنْ هَذَا؟ وَهُوَ مَطلُوبٌ، فقال:"هَادٍ يهْدِينِي إِلَى الطَّرِيق".