كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير [1] .
وأذكر هنا بعض الأمثلة التي تبين أهمية السياق في ترجيح المعنى.
1 -قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) } [البقرة: 76] .
اختلف أهل التأويل في بيان المقصود من قول القائلين: {قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} ذكر القرطبي قولين فقيل: {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ - من العذاب- لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ} ، هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم، وهي رواية عن السدي.
وقيل: إن عليًّا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانصرف إليه وقال: يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرَّض له، فقال:"أظنك سمعت شتمي منهم، لو رأوني لكفوا عن ذلك"ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا، فقال لهم:"أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته"فقالوا: ما كنت جاهلًا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا، روي هذا المعنى عن مجاهد [2] .
وهذان القولان لا ينهضان لمخالفتهما السياق، فالسياق حديث عن إيمان اليهود بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبعثته التي أخبرت بها التوراة، فالإيمان إذا أطلق قصد به الإيمان ببعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون المقصود من التحديث بما فتح الله عليكم،
(1) بدائع الفوائد (4/ 9) .
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 2 - 3.