فإنّ هذه الرؤية واقعة قطعًا. فإن قيل المراد من هذه الرؤية رؤيتها بالقلب في الدنيا، ثم إن هذه الرؤية غير واقعة قلنا ترك الظاهر خلاف الأصل. والثاني [1] أنّ قوله {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} إخبار عن أمر سيقع قطعًا، فعطفه على ما لا يوجد قبيح في النظم. واعلم أن ترك الجواب في مثل هذا المكان أحسن. يقول الرجل للرجل:"لو فعلت هذا"أي لكان كذا. قال الله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ} ولم يجيء له جواب، وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} . إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في جواب (لو) وجوهًا أحدها: قال الأخفش"لو تعلمون علم اليقين"ما ألهاكم التكاثر، وثانيها. قال أبو مسلم: لو علمتم ماذا يجب عليكم لتمسكتم به أو لو علمتم لأي أمر خلقتم لاشتغلتم به. وثالثها: أنه حذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب فيكون التهويل أعظم، وكأنه قال."لو علمتم علم اليقين"لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه، ولكنكم ضلّال وجهلة. أمّا قوله {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} فاللام يدل على أنه جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد وأنّ ما أوعدوا به ممّا لَا مدخل فيه للريب وكرره معطوفًا بثم تغليظًا للتهديد وزيادة في التهويل" [2] ."
فتقرير المعنى - والله أعلم بما ينزل-: لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر ولتنافستم في الخير.
ثمّ قرّر معنى آخر: (لترونّ الجحيم) فاللام واقعة في جواب قسم محذوف، أي: وعزّتي لترونّ الجحيم حين لا ينفعكم العذر. ونمثّل لهذا بقولنا. (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لينصرنّ الله من ينصره) فإنّ الجملة الثانية لا يمكن أن تكون جوابًا للجملة الأولى أي: (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لأخذت حذرها
(1) أي الوجه الثاني.
(2) ج 32/ ص 78 - 79.