إذ يمكن كسب الحروب عبر معارك لم يتم خوضها مطلقا بالقدر الذي تحققه"معارك الإبادة"التي تدرس في الكتب العسكرية. (32)
بعبارة أخرى، اعتمد النصر على إحلال دمار سريع بصربيا بقدر أقل من الاعتماد على القدرة على توليد فعاليات سياسية عبر التهديد بالتدمير. وعليه، فإن الاستراتيجيات القسرية من هذا النوع تستدعي تقديرة سليمة للأمور، يدعمه فهم للخصم، إضافة إلى مدخلات فنية متطورة.
خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تفوقت الولايات المتحدة الأمريكية في الجانب الفني، کا اتضح بجلاء من خلال المعركة الكبيرة ضد القوات العراقية في عام 1991. وعلى الجانب السياسي، كانت الأمور أقل إقناعة. لقد قدمت عملية"عاصفة الصحراء"عرضا ممتازة للأسلوب العسكري الأمريكي، ليس لمجرد أن القوات العراقية كانت غير كفؤة في المقابل، بل لأن السياق السياسي للحرب كان مواتية على نحو استثنائي لتدل أمريكي قوي. على النقيض من ذلك، شكلت فيتنام وكوسوفو اختبارين أكثر تحديا لتقدير واشنطن للأمور، وثبت أن نظرتها كانت قاصرة، لأسباب ليس أقلها أن أحدا لم يفهم ما هو الأمر الذي على المحك بالنسبة إلى العدو، وما الذي يجب فعله لكسب الحرب. وبالتالي، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في موقف مستحيل في فيتنام، غير مستعدة للإقدام على المخاطر وتحمل التكاليف التي يتطلبها تحقيق النصر، رغم تمتعها بتفوق فني كبير على خصمها. وفي كوسوفو، ثبت أنه من الممكن تحقيق الانتصار في الحرب، رغم حقيقة أنه تم التقليل من شأن عزيمة الصرب. في هذه الحرب، أثبت التفوق الفني للناتو أهمية في التحكم في التكاليف والمخاطر غير المتوقعة في الحدود المعقولة. ومع ذلك، ربما سارت الأمور بشكل مختلف لو أن ميلوشيفيتش أبدى مزيد من الإصرار أو قدرة على لعب دور الضحية بشكل أكثر فاعلية.
لكن إذا كانت التحديات المصاحبة لصياغة استراتيجية قسرية تجتذب اهتمام متنامية في عام 1999، فسرعان ما خبا بريقها واتجهت الأنظار إلى اهتمامات أخرى. فقد تعرضت