الفصل الأول
الثورة الفرنسية ونابليون
ليس هناك عام مهم في تاريخ الاستراتيجية العسكرية مثل العام 1789. فقبل الثورة الفرنسية، كانت الحرب في أوروبا محدودة الطابع، وكانت الحروب أحداث مشوبة بالحذر تعتمد على مناورات الجيوش بدلا من الالتزام الكامل بالمعركة، وغالبا ما تنتهي بموافقة الطرفين أكثر مما تنتهي بهزيمة طرف أو أكثر من الأطراف المتحاربة. وفي أعقاب الثورة شهدت طبيعة الحرب تحولات جذرية؛ حيث تراجعت المناورات أمام المعارك بصفتها عمليات رئيسة للحملات العسكرية. كما فقدت عملية إنهاء الحرب عنصر موافقة الطرفين، وأصبحت فرض فرض على الطرف الخاسر من خلال عملية التدمير العسكري جزئية أو كلية. وكما سنرى لاحقا، فإن السبب الأساس وراء هذا التحول كان سياسية بطبيعته. ومع أن تطور الأساليب العسكرية أدى إلى رفع كفاءة الجيوش خلال القرن الثامن عشر، فإن هذا التطور لم يؤد إلى حدوث تحولات جذرية في طبيعة الحرب، بل كان رفع القيود السياسية المفروضة على صياغة الأهداف الاستراتيجية بعد الثورة هو التطور الأهم. وفي ظل هذه الظروف، كانت حظوظ فرنسا وأعدائها تتوقف على حجم قواتها المسلحة وكفاءتها، في صراع أشبه بالصراع على الوجود. وكانت النتيجة ربع قرن من الحروب الدامية قبل أن ينجح أعداء فرنسا في النهاية في فرض نظام سياسي جديد في أوروبا.
القرن الثامن عشر
كان أسلوب إدارة الحرب قبل عام 1789 مقيدا بطبيعته، بسبب غياب انقسامات أيديولوجية مريرة في السياسة الأوروبية. فمن المؤكد أن الدول كانت تخوض الحروب بعضها ضد بعض على فترات متقاربة، ولكنه من المؤكد أيضا أنها كانت تقبل مفهوم