شرعية الحكم، والقيود التي تفرضها تلك الشرعية على السياسة الخارجية. وبصورة عامة، كان حق الملك في الحكم مازال يعتبر حقا إلهية، ومن ثم فهو غير قابل للنقض. وبالتالي، لم تكن الحروب تخاض لأسباب سياسية كما نسميه اليوم"تغيير النظام"، بل كان الملوك يلجؤون إلى الحرب الأهداف أكثر تواضعة؛ تتعلق بتوسيع رقعة أراضيهم. فقد كانت الأرض الشكل الأساس للثروة في بداية أوروبا الحديثة، ولذلك كانت قضية: من يملك ماذا؟ مهمة للغاية فيما يتعلق بثروات الأسر الحاكمة. وبقدر أهمية هذا السؤال كان من الصعب الإجابة عنه بشكل محدد. فشبكة التصاهر المعقدة التي ربطت بين ملوك أوروبا على مدار قرون طويلة يمكن أن تولد مزاعم متنافسة حول المطالبة بملكية الأراضي، وبخاصة في حالة وجود أزمة خلافة. وعندما تتصادم ادعاءات الملوك كان ينظر إلى الحرب باعتبارها خيار مقبولا لحسم المشكلة.
كان للقاعدة استثناءاتها بالطبع، ويعد فريدريك الثاني ملك بروسيا مثالا واضحا لهذا الاستثناء. فقد كانت مطالبة فريدريك بملكية"سيلزيا"و"ساكسونيا"محل شك، وأثار استيلاؤه عليها بالقوة (في عامي 1740 و 1756 على التوالي) غضب واسعا. ومع هذا، لم تكن الطبيعة الاستثنائية لحالات ضم الأراضي تلك واضحة في ردود أفعال الدول الأوروبية التي خاضت الحرب ضد دولة بروسيا"المارقة". وعلى رغم افتئات فريدريك، فإن الملوك من أصحاب الرأي السديد لم يستطيعوا تجاهل شرعية عائلة هوينزوليرن المالكة، ولذلك لم يكن هدفهم السياسي من إعلان الحرب عليه هو إطاحته، ولكن مجرد حرمانه من الأرض التي لا يستحقها، ووضعه في حجمه الصحيح. (1)
ومن الناحية الأخرى، نجد أن بولندا اختفت بالفعل من الخريطة السياسية عام 1795، بعد أن سقطت ضحية التقسيم على يد جاراتها الأشد قوة. وعلى رغم الانتقادات الواسعة للتقسيم في ذلك الوقت فقد كانت أسبابه مفهومة في هذه الحالة على وجه الخصوص، لأن ملك بولندا اختير منذ فترة طويلة من قبل طبقة النبلاء الذين لم يكونوا يمثلون السلطة الحقيقية في البلاد. وعلى هذا الأساس، لم تكن هناك أي شرعية ملكية