الصفحة 32 من 214

تعكس طبيعة قهرية، الهدف من ممارستها هو وضع العدو في موقف يدرك معه أن قبول المعركة سيؤدي إلى تكبيده خسائر فادحة. وعليه، تمثل الاستراتيجية خيار لاستخدام سلاح الحسابات العقلانية القائمة على الربح والخسارة، وهو ما يعكس الاهتمام الذي ساد عصر التنوير بإخضاع القضايا الإنسانية لمقتضيات المنطق.

ويمكن فهم تطور الأسلوب العسكري خلال هذه الفترة استنادا إلى مفاهيم عصر التنوير. فتنظيم الجيوش، على سبيل المثال، على"فرق"مستقلة عزز قدرة الجيش كله على المناورة بقدر أكبر من السهولة، بينما أسهمت التصميمات الخاصة بالأسلحة التقليدية في تبسيط المشكلات المتعلقة بالصيانة والإمداد. وبالمثل، تضمنت أدبيات"فن"الحرب (التي تعتبر أعمال دي ساکس من أوائل أمثلتها محاولات عديدة لتقنين الإجراءات العملياتية الخاصة بالمناورة، بما يضمن فعاليتها عند مواجهة العدو. كان الهدف من قوة الإبداع العسكري، باختصار، إنقاذ الحرب من الوضع الدموي التكهني"الذي قيل إن فولتير كان أول من كرسه(5) . كان الهدف هو جعل الحرب أقل عرضة لتأثير النزاعات، وألا يكون خوضها"متروكة للظروف"، ومن ثم وضع آلية أكثر فاعلية لتسوية النزاعات السياسية. ولذلك، لم يكن الهدف من هذا التطور النوعي إحداث زيادة كبيرة في حجم العنف المرتبط بالحرب ونطاقه، ولكن عقلنة أسلوب إدارة الحرب في إطار محدد من الأهداف السياسية المحدودة التي تحددها صراعات الأسر الحاكمة."

ومع تطور الأحداث، بدأ الأسلوب العسكري يلعب دورا أهم بكثير مما تصورناه في تشکيل ملامح طبيعة الحرب. فقد جاءت الثورة الفرنسية و جاء معها التخلي عن القيود السياسية التقليدية المتعلقة بتحديد الأهداف الاستراتيجية. وفي ظل تلك الظروف، کان مقدرة لأسلوب إدارة الحرب أن يلعب دورا محدود)، تبعا للموارد المتاحة لدى الدول المتحاربة وقدرتها على استغلال تلك الموارد بطريقة فعالة. ومع أن أسلوب إدارة الحرب أصبح أقل ميلا إلى التكهن فإن نتائجه أصبحت أكثر دموية أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت