الصفحة 31 من 214

الحرب بدأت تلقي بظلالها الكثيفة عند مقارنتها بالنزاعات الإقليمية الأقل أهمية التي أدت إلى نشوب الحرب، الأمر الذي شجع الرأي القائل بأن قمة الفن العسكري لا تكمن في الانقضاض على العدو عندما تسنح الفرصة، ولكن في المناورات الذكية التي تستهدف وضعه في موقف لا يسعه فيه إلا الانسحاب من الحرب بشروط قاسية مجحفة أو التقهقر. وبالنظر إلى محدودية الأهداف السياسية فإن العدو الذي يتعرض لهذا الموقف كان غالبا ما يفضل التقهقر على القتال، ما يعني التخلي عن جزء من الأراضي المتنازع عليها. وكانت الاعتبارات من هذا النوع هي التي دفعت موريس دي ساكس إلى التصريح بقوله:

لا أحبذ المعارك المحددة سلفا، وبخاصة مع بداية حرب ما، وأنا على اقتناع تام بأن أي قائد عسکري ماهر قادر على أن يجعل الحرب هي حياته من دون أن يضطر إلى خوضها ... ولا أعني بهذا أنه يجب عليه عدم الإجهاز على العدو عندما تحين الفرصة المناسبة، أو عدم الاستفادة من أخطاء هذا العدو، ولكنني أعني أن من الممكن خوض الحرب من دون ترك أي شيء للمصادفة، وتلك هي أعلى مراتب الكمال والمهارة التي يمكن أن يصل إليها القائد العسكري (3)

وقد عبر الإمبراطور فريدريك الثاني عن إعجابه الشديد بدي ساکس، لكنه خالفه في قضية مدى حتمية الحرب، حيث أعلن فريدريك أن «الحرب لا تحددها سوى المعارك، ولا تنتهي إلا بانتهاء تلك المعارك» . ولكن فريدريك، كما ذكرنا آنفا، كان مجرد استثناء في مثل هذه القضايا. علاوة على ذلك، ظل فريدريك على تحفظه في قضية توقيت دخول المعارك الذي يجب تحديده عند اللحظة المناسبة، وبعد ضمان كل عناصر التفوق». (4)

وعلى خلاف اعتبار استعجال اللجوء إلى شن المعارك قمة الفن العسكري، جرت العادة على اعتبار هذا الأسلوب دليلا على ضعف القيادة. فمن الممكن معاقبة العدو على أخطائه بأسلوب عنيف، وقد تصبح المعركة حتمية لإنهاء الحرب فورا. ولكن في ظل

ظروف أخرى يجب على القائد العسكري المحنك ألا يعتبر المعركة حتمية أو محبذة، وأن يحاول الاستفادة من إمكانية تفكير العدو بالطريقة نفسها. فالاستراتيجية، بمعنى آخر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت