الصفحة 44 من 214

ولكن طموحات نابليون السياسية الجامحة أقنعت أعداءه في نهاية المطاف بأن تكاليف التعايش معه أفدح من المخاطر التي يمكن أن تترتب على التصدي له عندما تحين اللحظة المناسبة. وحانت تلك اللحظة أخيرة في عام 1813. فمع حالة الضعف الشديد التي أصابت الجيش الفرنسي بسبب الخسائر البشرية الفادحة التي تكبدها في العام السابق، أصبح تحالف الدول القوي الذي تمترس في مواجهة فرنسا قادرة على تحقيق تفوق عددي تعجز حتى قيادة نابليون عن التغلب عليه. وقد ظل نابليون من ناحيته مصر على القتال، ونجح بالفعل في حشد حوالي 180 ألف جندي لمواجهة القوات النمساوية والبروسية والروسية مجتمعة التي بلغ حجمها 300 ألف جندي في ليبزيغ في أواخر شهر أكتوبر. ونجح نابليون في توجيه بعض الضربات القوية لأعدائه، ولكن أعدادهم الكبيرة اضطرته في النهاية إلى الخروج من ألمانيا بخسائر بشرية فادحة لم يعد قادرة على تعويضها.

وأصبح الطريق ممهدة لغزو فرنسا في مطلع العام 1814، ولكن أعداءه كانوا على استعداد حتى تلك اللحظة للتفاوض حول وقف الاعتداءات، وبقائه على عرشه. ونظرة المعرفتهم بقدرته على تحقيق انتصارات عسكرية مذهلة حتى في أصعب الظروف، فقد ظل التوتر ينتاب هؤلاء الأعداء خشية الإفراط في ضغوطهم. عندما بات واضحا أنه لم يعد هناك أمل في تخلي نابليون عن السلطة، وأن السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم هو إطاحته عن العرش، حينذاك فقط بدأ أعداؤه مواصلة الضغوط عليه بهدف تجريده من أسلحته. ولأن جيشه كان مهلهلا، و فرنسا المثخنة بالحروب لم تكن راغبة في التصدي للغزو، لم يعد أمام نابليون أي خيار سوى التنازل عن العرش،

ومن هذا المنظور يمكن اعتبار نابليون استراتيجية محدود الإمكانيات، ليس بحکم التعرض للهزيمة في نهاية المطاف، بل بحكم الأسباب التي أدت إلى تلك الهزيمة. الأمر المؤكد أن نابليون كان فنية عسكرية فذة، وكانت له مزاياه الكثيرة بصفته رئيسا للدولة، ولكن محاولة الموازنة بين خبرته العسكرية وطموحه السياسي كانت السبب الرئيس السقوطه. وبإيجاز، كان نابليون يفتقر إلى حسن التقدير اللازم لمعرفة الحدود السياسية التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت