المعركة في بورودينو Borodino حيث أوقع بها خسائر بشرية قدرت بنحو 50 ألف قتيل. وعلى الرغم من التعرض لهذه الخسارة الرهيبة فقد رفض ألكسندر الاستسلام، مفضلا التنازل عن موسكو، فيما بدأت قواته إعادة تجميع صفوفها شرقا. وبسبب النقص الشديد في الإمدادات وعدم وجود مأوى يقي القوات برد الشتاء بعد احتراق موسكو، لم يجد نابليون أي خيار سوى التقهقر غربا. وقامت القوات الروسية بملاحقته ملاحقة شديدة بهدف القضاء على القوات الغازية التي أنهكها الجوع قضاء مبرمة. ومن بين 422 ألف جندي شكلوا القوات الفرنسية الغازية، لم يعد منهم إلى منطقة الاحتلال الفرنسي إلا عشرة آلاف جندي (17) .. وهكذا أتاحت مغامرة نابليون المشؤومة في روسيا أخيرة الفرصة أمام انتفاضة أوروبية شاملة ضد هيمنته.
جنرال بارع واستراتيجي ضعيف
يعتقد جو ميني أنه يمكن استخلاص درس معنوي من نجاح نابليون الساحق بوصفه قائد عسكرية، حيث يمكن القول بأنه أرسل إلى هذا العالم كي يزرع الحذر في نفوس القادة العسكريين ورؤساء الدول على حد سواء: فانتصاراته دروس في المهارة والعمل والجرأة. أما كوارثه فتعتبر درسا في ما يمكن أن تسببه قلة الذكاء» (18) . من المؤكد أن منحني حظوظ نابليون أثبت أنه حتى القيادة العسكرية التي بقامة نابليون قد لا تكون بديلا مستدامة للسياسة الخارجية الناجحة. ومن المؤكد أن خبرته العسكرية الفائقة خدمته بصورة كبيرة؛ حيث ساعدته على الوصول إلى السلطة السياسية، وفي جعل فرنسا الدولة المهيمنة في أوروبا، ولو كانت هذه الخبرة قد استخدمت بقدر أكبر من الحكمة والحصافة لكانت قد مكنته من تنصيب نفسه إمبراطورة متوجة على عرش فرنسا. وعلى رغم شكوك جيران نابليون الملكيين في مدي شرعية هذه الإجراءات السياسية، فإن المخاطر العسكرية المترتبة على محاولة إطاحة نابليون عن عرشه كانت أكبر من أن يواجهها أحد. فادام لا يثير قدرة كبيرة من المشكلات فلا مانع من ترکه لحاله كي يركز على مشكلة مؤرقة مثل خلافة العرش.